ماذا سرقت منك الحياة لتكون حزينًا هكذا؟
فاروق غانم خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
حين أسأل نفسي هذا السؤال، يملأ الصمت أرجاء الغرفة، صمت ثقيل كأنه يضغط على كل زاوية في الروح. الحزن هنا ليس شعورًا عابرًا، بل هو أثر كل ما سرقته الحياة منا : الأحلام التي لم تكتمل، الكلمات التي لم تُقال، والوجوه التي رحلت قبل أن نفهم قيمتها. كل شيء يبدو كأنه تبخر في الهواء، تاركًا خلفه فراغًا لا يملأه شيء.
أتذكر طفولتي كما لو كانت مشهدًا متقطعًا بين ضحكات خافتة وبكاء متردد. كنت أرى العالم بعينين صادقتين، أظن أن كل ما هو جميل سيبقى معي إلى الأبد. لكن الحياة، في صمتها القاسي، أخذت مني لحظات لم أكن أعلم أنها ستصبح ذكرى مؤلمة: ابتسامة أمي في الصباح الباكر، صوت أبي الذي لم يعد، الحكايات التي كانت تُروى لي قبل النوم، والأحلام التي رسمتها على جدران غرفتي الصغيرة. كل ذلك تلاشى تدريجيًا، وكأن الحياة أرادت أن تختبرني قبل أن أعبر إلى عالم النضج.
الحزن ليس دائمًا مرتبطًا بفقدان شخص أو مكان؛ أحيانًا يكون مجرد شعور غامض، كظل يتبعك أينما ذهبت، يذكرك بأن شيئًا ما سرق منك دون أن تدري. أحيانًا يكون صامتًا، لكنه حاضر في كل ابتسامة لم تكتمل، وفي كل كلمة لم تُقال، وفي كل لحظة شعرت فيها بأن العالم لا يسمعك. صوت الريح بين الأشجار، رائحة الأرض بعد المطر، خطوات المارّة في الشارع — كل هذه التفاصيل، البسيطة والعابرة، تصبح مرايا للحزن، تعكسه وتضاعفه.
اللوحة للفنان التشكيلي علي شحرور
أتساءل كثيرًا: هل سرقت مني الحياة طفولتي؟ أم سرقت مني ثقتي بالآخرين؟ ربما سرقت مني البساطة التي كنت أحلم بها، أو ربما تأخذ مني اللحظة تلو الأخرى، حتى يصبح الحاضر نفسه ثقيلًا على الروح. أحيانًا أشعر أن الحياة لا تسرق الأشياء المادية فقط، بل تسرق منا القدرة على الفرح، على الرضا، على الحب بلا شروط. تبقى فجوة في القلب، شعور دائم بأن شيئًا ما مفقود، شيء لا يمكن استعادته.
لكن رغم كل شيء، هناك نور صغير يلمع في داخلي، خافت لكنه حاضر. نور يذكّرني بأن الحزن ليس عقابًا، بل رسالة. رسالة تقول: “تذكر، ما زال في داخلك ما يستحق الحياة، وما زالت هناك لحظات يمكن أن تمنح قلبك دفئًا ولو لفترة قصيرة”. أحيانًا يكون هذا النور ذكرى طيبة، أحيانًا كلمة صادقة من صديق، وأحيانًا لحظة هدوء في منتصف يوم صاخب.
أتذكر، حين كنت صغيرًا، كيف كان الحلم يعانق قلبي قبل النوم. كنت أرسم في ذهني عالمًا كاملًا من الفرص، من الحب، من الضحك، ومن الأمان. واليوم، بعد كل ما أخذته الحياة، أجد نفسي أحاول إعادة رسم تلك اللحظات، محاولة الإمساك بما تبقى من براءة، محاولة استعادة جزء من نفسي المفقودة. ربما هذه هي مهمة كل إنسان: البحث عن ذاته بين أطلال الماضي، واكتشاف نور الحاضر، وجعل الحزن فرصة للفهم والنمو.
أحيانًا أكتب لحزني كلمات، لأفهمه، لأحتضنه، لأخبره أنني لن أتركه يحكم حياتي بالكامل. أكتب لأبكي بلا صوت، لأستعيد ذكريات اختفت مع الريح، ولأخلق لنفسي مساحة أكون فيها وحدي مع نفسي، مع ما سرقته الحياة، ومع ما بقي من أمل. الكتابة هي الملاذ الأخير للروح التي تجرحها الأيام، المكان الذي يتحول فيه الألم إلى فهم، والفراغ إلى وعي.
إنه شعور غريب، أن تحزن على أشياء لم تعد موجودة، على أشياء لم نمتلكها بالكامل أبدًا، وعلى أشياء شعرنا أنها كانت لنا ثم أخذتها الحياة بلا إنذار. ومع ذلك، الحزن يعلمنا الصبر، يعلمنا كيف نحمل ذكرياتنا دون أن نغرق فيها، كيف نحب رغم فقداننا، وكيف نستمر رغم الألم.
وفي النهاية، ما سرقته الحياة ربما لم يكن أكثر من اختبار لصمودنا، تذكير بأن الفقد جزء من الحياة، وأن الحب، والأمل، والفرح، لا يمكن أن تُسرق بالكامل. كل دمعة، كل صمت، كل شعور بالحنين، هو دعوة للبحث عن النور الذي يظل حاضرًا في أعماقنا مهما حاولت الأيام أن تخفيه.
وهكذا نمضي، نحمل ما فقدناه ونبحث عن ما يمكننا الاحتفاظ به، نكتب لحزننا كلمات، ونهمس لأحلامنا المنسية، ونجد لحظة تضئ قلوبنا ولو لبرهة قصيرة. الحزن، في حقيقته، ليس مجرد فقد، بل مرآة لما كان يمكن أن يكون وما يمكن أن نحافظ عليه. وفي هذه اللحظة، نتعلم أن الحياة، رغم سرقتها، لم تأخذ كل شيء، وأن القلب قادر دائمًا على أن يجد طريقه إلى الضوء.
الكاتب فاروق خدّاج







