نقلا عن موقع ” ضفة ثالثة ” :
“المبدعون عشاقًا”: سير الحب كما كتبها الغياب
دارين حوماني
الكاتب شوقي بزيع مع غلاف كتابه الصادر عن دار المدى في بيروت
كتبت دارين حوماني :
يأتي كتاب “المبدعون عشاقًا: فتنة اللاممتلك وسحر المنادى الغائب” (دار المدى، 2025) كجزء مكمّل للكتاب الأول الذي طرحه الشاعر شوقي بزيع “زواج المبدعين- ثراء المتخيل وفقر الواقع” (دار مسكلياني، 2022)، وإذا كان بزيع قد طرح في الأول علاقات زوجية لأدباء وفنانين ومشاهير – بالكاد تمكّن عدد منهم من الاستمرار بالزواج حتى الموت – مؤكدًا الدور المحوري الذي يلعبه الفقدان في تحفيز الإبداع، فإنه في كتابه الجديد ينطلق من فقدان المحبوب بوصفه عنصرًا مولّدًا للتيه والشوق والعذاب، وهي جميعًا شروط يرى أنها تغذّي التجربة الإبداعية.
وإذا تأملنا في عنوان الكتاب، نجد أن “اللاممتلك” يحيل إلى الفتنة الكامنة في ما لا يُطال، كأنّ جوهر العشق ليس في التملّك بل في التوق إلى ما لا يُمتلك. أما “المنادى الغائب” فهو ذلك الكيان الذي يُنادى ولا يُجيب، ويتشكّل حضوره في النص الأدبي من خلال غيابه. وهكذا يتجلّى العشق هنا في ثنائية الفقد واللذة المعذّبة التي تفضي بدورها إلى الإبداع.
يتناول الكتاب 30 ثنائيًا من الكتّاب والفنانين من حول العالم الذين لم يتمكنوا من تحقيق الارتباط ضمن المؤسسة الزوجية. بينهم 13 نموذجًا من الغرب، وهم: حنة أرندت ومارتن هايدغر، آنا أخماتوفا وأميديو موديلياني، ليلي بريك وفلاديمير ماياكوفسكي، ميلينا جيسينسكا وفرانز كافكا، جان دوفال وشارل بودلير، ماريا كازاريس وألبير كامو، لو سالومي ونيتشه، أولريكه فون لفتسو ويوهان غوته، بياتريس بونيناري ودانتي أليغيري، ريجينه أولسن وسورين كيركغارد، يوهانا مولر وهاينرش هاينه، غابرييلا ميسترال وروميليو أوريتا، وأناييس نن وهنري ميلر.
و16 نموذجًا من العالم العربي: 9 من المعاصرين: كاي شو وتوفيق صايغ، فريال الدمشقية وأمين نخلة، غادة السمان وغسان كنفاني، فدوى طوقان وأنور المعدّاوي، ليلى العضم وإلياس أبو شبكة، سارة وعباس محمود العقاد، فاريا الأوكرانية وميخائيل نعيمة، مي زيادة وجبران خليل جبران، إدفيك جريديني وأنطون سعادة. و7 من المبدعين التراثيين: أم البنين ووضاح اليمن، ولّادة بنت المستكفي وابن زيدون، ليلى الأخيلية وتوبة بن الحميّر، مي المنقرية وذو الرمة، ليلى العامرية وقيس بن الملوّح، بثينة وجميل بن معمّر، وعفراء وعروة بن حزام. إضافة إلى الثنائي فروغ زادة وإبراهيم كلستان من إيران.

في مقدمة الكتاب، يشير بزيع إلى أن الكتاب لا يدّعي تقديم إجابات قاطعة حول العشق، بل يطرح تساؤلات جوهرية عن العلاقة بين الحب والإبداع، وفيما إذا كان الحب ملاذًا رمزيًا أم جحيمًا مغايرًا، ولماذا تستدعي العاطفة شياطين الكتابة وتوقد نار المكابدة، ويتساءل فيما إذا كان الحب يحتضر في اللقاء ويشتعل بالغياب. لكن هذا الغياب بين العاشقين لم يكن مفردة عابرة في سياق الحكايات التي طرحها بزيع، بل تسبّب بآلام عميقة أنتجت أكثر النصوص الأدبية ثراءً، حتى إن هذا الألم أوصل أصحابه إلى الجنون كما حدث لقيس بن الملوّح، أو إلى التصدّع النفسي كما حدث مع نيتشه، أو إلى الانتحار كما حدث مع ماياكوفسكي.
لقد اختار شوقي بزيع تتبّع تمثّلات العشق في الواقع، لا في التنظير، محاولًا أن يلتقط نبض العلاقة الحقيقية بين العاشقين، وخصوصًا أن بعضهم وقعوا في غرام نساء متزوجات “بهدف الحصول على المتعة الفائقة التي توفرها الثمار المحرّمة، أو بهدف رفد الكتابة والفن بما يحتاجانه من عناصر التوتر والاضطرام”. وفي الوقت نفسه، يعتبر بزيع أن المبدعين – في علاقتهم بالآخر المعشوق – هم شخصيات مأزومة ومغالية في نرجسيّتها، وفي شغفها بالحياة أو انكفائها إلى المربّع الصامت والمعتم للكتابة والفن. كما أن معظم التجارب المتناولة في الكتاب تُبيّن أن في كل قصة حب نوعًا من التلذّذ المازوشي الذي لا يتردّد العشاق في استدراجه إلى ساحتهم.
ويشير بزيع إلى أن “الأدب بشقّيه الشعري والسردي هو الذي حفظ تاريخ الحب من الاندثار”، مستشهدًا بأعمال خالدة لهوميروس وشكسبير وسواهم ممّن حوّلوا العاطفة إلى أثر فني خالد. وفي هذا السياق، تحضرنا المراسلات العاطفية التي تبادلها الأدباء والفنانون مع من أحبّوا، بوصفها مادة أدبية حميمة لا تقل قيمة عن أعمالهم المنشورة. فما كُتب في تلك الرسائل لم يكن موجّهًا للنشر، بل خرج بتلقائية صادقة، قبل أن يقرّر الورثة أو الأصدقاء نشره لاحقًا، لما رأوا فيه من قيمة أدبية وثراء إنساني وجمالي. بذلك، تكشف هذه المراسلات عن البُنى الداخلية للذات المبدعة، وتمنحنا خريطة دقيقة لمكنونات هذه الذات، كما تسلّط الضوء على التوتر بين الشغف الإنساني والقدرة التعبيرية التي تحوّله إلى نص. وفي هذا الصدد، يتخوّف بزيع من أن التطور المتسارع للتقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي يكاد يُطيح على نحو كامل بأدب الرسائل…

ولا يتضمن الكتاب فقط قصص الحب، بل سير أصحابها منذ الطفولة، حيث يتجلّى أن البؤس هو القاسم المشترك الذي تنبثق منه بدايات معظم الأدباء المذكورين، ومنهم ألبير كامو الذي سقط أبوه قتيلًا في بداية الحرب العالمية الأولى، وهو لم يتجاوز عامه الأول، فاضطرت أمه المصابة بالصمم للعمل في تنظيف البيوت. وبعد أن يتعرّض للخيانة من زوجته الأولى، الممثلة سيمون هيي، مع طبيبها، يتعرّف على عازفة البيانو فرانسين فور، فلم يتوانَ عن الزواج بها عام 1940 كتعويض عمّا مرّ به. ولكن لن تمرّ 4 سنوات حتى يلتقي كامو بالمرأة التي شعر أنها مكافأة قدرية له على تضحياته لبلاده خلال الحرب العالمية الثانية، وهي ماريا كازاريس، ابنة سانتياغو كازاريس، رئيس حكومة الجمهوريين الإسبان، المنفي إلى فرنسا. لكن ماريا ستقطع علاقتها به مرارًا لوعده لها بالانفصال عن زوجته فرانسين ليتسنى لهما الزواج، ويعجز عن ذلك. ورغم ذلك، فقد استمرت المراسلات الحميمة والفائضة بالشوق والوله بينهما، واصفًا محبوبته بأنها هدية له من السماء وجائزة وجوده الأثمن على الأرض. وقد كشفت ابنته كاترين عن هذه الرسائل بعد وفاته في حادث السير المروّع الذي أودى بحياته في نهاية العام 1960، وكانت رسالته الأخيرة قبل رحيله بأيام، يقول لماريا فيها: “أتمنى أن تتدفّق الحياة عبرك هذا العام كي تعطيك هذا الوجه العزيز الذي أحببته على مرّ السنين. أقبّلك وأضمّك بانتظار يوم الثلاثاء حيث سأحتضنك مجددًا”.
لكن يوم الثلاثاء لم يأتِ قط…
فقدان الأب في وقت مبكر من العمر والعيش في الفقر والعوز كان أيضًا من نصيب فلاديمير ماياكوفسكي، الذي ربطته علاقة لسنتين بإلسا ترولييه، التي أصبحت زوجة لويس أراغون لاحقًا، وكان ذلك قبل أن تخطف قلبه أختها ليلي، التي تزوّجت من الناقد المستقبلي أوسيب بريك. ولكن هذا الزواج لم يمنعها من مشاركته الحب والعلاقة الجسدية، واستمرت العلاقة لأكثر من 15 عامًا، وكانت ملهمته في أعمق قصائد الحب والألم، وأبرزها قصيدته الخالدة “غيمة في سروال”. وقد بعث ماياكوفسكي، على امتداد السنوات، عشرات الرسائل لها، والتي عدّها بزيع “أبرز الوثائق العاطفية والسياسية في القرن الفائت”. وبقيت قضية انتحاره لغزًا، حيث عزاها البعض إلى الهجمات السياسية التي كانت تُشنّ عليه، فيما اعتبر آخرون أن ليلي هي السبب بسبب معاشرتها العديد من الرجال. وكان ماياكوفسكي قد سبق أن هدّد ليلي بالانتحار غير مرة، حتى إنه اتصل بها في العام 1916، قائلًا لها: “وداعًا يا ليلي”، فأسرعت إليه لتجده عاجزًا عن الانتحار.

ومن التراث العربي، نقرأ أيضًا عن الوقوع في غرام امرأة متزوجة، ولكن صاحبه هذه المرة مصير مأساوي للعاشق وضّاح اليمن، إثر لقائه بأم البنين زوجة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك في بيتها. وكانت أم البنين تحب أن ينظم فيها الشعراء غزلًا، لكنها وقعت في حب وضّاح اليمن، وكانت تستقبله في بيتها بغياب زوجها، ولم يكن يعلم بذلك إلا خادمها الذي طلب منها ذات مرة جوهرة أعجبته، فرفضت، فما كان منه إلا أن أخبر سيده. ولما حضر الخليفة إلى البيت، اختبأ وضّاح اليمن في صندوق، فعمد الخليفة إلى دفن الصندوق، وفيه وضّاح اليمن، في بئر عميقة.
وعلى الضفة العربية المعاصرة، نقرأ عن الحب الذي لم يكتمل بالزواج بسبب رفض الأهل، فها هي والدة إدفيك جريديني تعترض على زواجها من أنطون سعادة لأسباب تتعلّق باختلاف الدين والخوف على مستقبل الابنة؛ يعلّق بزيع على ذلك أن سعادة “لم يحاول قطّ أن يستخدم سلطتيه المادية والمعنوية للضغط على العائلة”، ومع أنه كان موقنًا بحب إدفيك له، فلم يشجّعها على التمرّد، إذ كانت المسألة بالنسبة إليه “مسألة حب وحياة”. ثماني عشرة رسالة ستكشف عنها إدفيك في كتاب “رسائل حب من أنطون سعادة إلى إدفيك جريديني”، تُظهر ذلك الجانب الشعري والشغوف لدى سعادة، يكتب لها: “أنا لا أطيق السير في العالم وحدي، فما قيمة المسرّات التي لا تشاركينني بها؟”. ولكنه يكتب لها في رسالته السابعة عشرة ما يشير إلى أن ما يمنع زواجهما ليس فقط رفض عائلتها، بل مجمل الوضع الذي كان يعيشه ويؤمن به: “أجزم أني أحبك، ولكن حبي لك ليس محور حياتي، بل سوريا هي المحور… إن مجرى حياتي آخذ في إيقاظي إلى المصاعب الكبيرة والصغيرة التي تقف في طريق زواجي ممن أحب الآن. لقد كانت الصعوبات من جهة أهلك، والآن أرى الصعوبات من جهتي، كأن حياتي يجب أن تكون تضحيات في تضحيات”.
الكاتب والشاعر شوقي بزيع
ومن أندر قصص الحب عبر التاريخ، والتي حال الأهل دون تحقيقها بالزواج، قصة العلاقة التي جمعت يوهان غوته السبعيني بالشابة الفاتنة ابنة الـ19 عامًا، أولريكه فون لفتسو، التي وقعت تحت حضوره الآسر وغزله الرقيق، على الرغم من أنه يكبرها بـ54 عامًا، لتدخل معه في علاقة معقدة هي الحب والاحترام، بحيث، ورغم مبادلاته المقابلة، بقيت تكلّمه بصيغة الجمع: “سعادتكم…”.
ويشير بزيع إلى أن “آلام فرتر” لم تكن سوى محاورة غوته مع نفسه، في محاولة منه لتسويغ علاقته العاطفية بأولريكه، التي تصغر ابنه بخمسة عشر عامًا، وكانت بمثابة حبل الخلاص الذي مدّه له القدر ليمنعه من الغرق في هواجس الشيخوخة والموت. وعندما أرسل غوته لوالدة الفتاة أنه يرغب بالزواج من ابنتها، غادرت مكان إقامتها في نوع من الرفض المُقنّع لطلب الزواج، وحسمت الأمر بطريقة صارمة، وما لبثت أن تزوجت الفتاة شابًا ثريًا.
ويستحضر بزيع الصورة الأرشيفية التي جمعت بين لو سالومي ونيتشه وبول ري على عربة رثّة للحيوانات، معتبرًا أنها تعكس برمزيتها المثيرة الواقع الفعلي للعلاقة التي تربط الكاتبة لو سالومي، ليس بنيتشه فحسب، بل بكل الرجال الذين عرفتهم سالومي، وهي التي تلاعبت بأبرز عباقرة الغرب، ومنهم أيضًا ريلكه وفرويد. ونيتشه عانى أيضًا من فقد أبيه المبكر، كما من اعتلال صحته منذ الطفولة، ما أدى إلى إصابته بشروخ نفسية وعصبية. وقد بعث لحبيبته العديد من المراسلات، يُعرب فيها عن رغبته بالزواج منها، وهو في الثلاثين من عمره، فيما كانت هي في الحادية والعشرين. ولكنه مع الوقت لاحظ كيف أنها توزّع اهتماماتها بين العشاق، فاكتشف أن القصور الوردية التي شيّدها ليست سوى تهيؤات وأوهام. ويعتبر بزيع أن فشل نيتشه في الحب هو الذي دفعه إلى تصعيد مواقفه السلبية إزاء المرأة بشكل عام، إذ اعتبر في كتابه “غسق الأوثان” أن المرأة نقيض للعمق ومرادف للتسطيح، وكتب لسالومي في رسالة انتقامية منها: “أرجو أن ترتقي بنفسك أمامي، لكي لا أضطر إلى احتقارك. أي نوع من الرسائل تكتبين؟ تلميذات المدارس الناقمات الشهوانيات هنّ اللواتي يكتبن بهذه الطريقة. ماذا عليّ أن أفعل بهذه التفاهة الكثيرة للشفقة؟”.
وقد تكون لو سالومي، في علاقتها مع كل هؤلاء الأدباء والمفكرين، هي غادة السمان في عالمنا العربي المعاصر، والتي يكشف بزيع عن قصتها مع غسان كنفاني من خلال المراسلات التي نشرتها في كتاب ذائع الصيت. لنعلم أن مراسلاتها لم تكن فقط لغسان، بل نشرت لاحقًا مراسلاتها مع أنسي الحاج، وأعربت عن رغبتها في نشر مراسلاتها مع عشاق آخرين، لم يكن نزار قباني سوى واحد منهم.
كل قصة حب في هذا الكتاب هي بروفة لحياة متخيّلة، لها سحرها وشغفها وأساها الدفين، ويكمن خلودها في الأدب الذي تركه أصحابها وجسّدوه في كتبهم بطريقة غير مباشرة، أو في مراسلاتهم الصادقة والمشبعة بالوله. منها المراسلات التي جمعت بين مارتن هايدغر وحنا أرندت، منذ أن كانت طالبته بعمر الثامنة عشرة، بينما كان الفيلسوف في الخامسة والثلاثين، وافترقا لأكثر من 15 عامًا، ثم عادا كعاشقين، ثم كصديقين، وقد كُشف عن هذه المراسلات على يد ابنه هيرمان هايدغر بعد رحيل العاشقين. أما ميخائيل نعيمة، الذي رفضت الكنيسة زواجه من فاريا الأوكرانية، وهو الذي كان يعتريه النزوع الطهراني، فعزف عن الزواج بعد ذلك. وشكّلت كل محبوبة مصدر إلهام عميق لعاشقها، مثلما كانت بياتريس بونيناري ملهمة دانتي أليغيري في “الكوميديا الإلهية”، وكانت جان دوفال ملهمة بودلير في “أزهار الشر”. وربما كان المحرّك الأساسي لكل هذه الإبداعات هو البُعد والشعور بالمعاناة للقاء المحبوب، وهو ما عبّر عنه بيكاسو: “إن أفضل إلهام للشاعر هو الغياب”.
الناقدة الثقافية دارين حوماني







