رواية غزلان الخليج للكاتبة الروائية و الشاعرة فلك الشام
مشهديّة التاريخ والحاضر .
كتب أ د. أنطوان يزبك:
أمتع و أجمل الروايات قاطبة ، هي تلك التي فيها مشهديّة صارخة بالعبر والمعاني مع تواصل الحركة فلا يملّ القارىء ولا يتململ ولا يشعر بالسأم وهو يقرأ ، هذه الرواية يصفها الناقد الروسي باختين بالرواية الكرنفالية ، و بمعنى آخر ؛ إنها رواية ، تضجّ بالصور والحركة والألوان على عادة أفلام ال Thriller أي الحركة و التشويق ، يقرأها الناس و كأنهم يسافرون إلى الخليج العربي في رحلة بين الواقع والخيال ، بحيث أنّهم ، لا يتركون الكتاب من يدهم قبل أن يفرغوا من قراءة فصوله بشغف واهتمام بالغين !
الكلام على هذه الرواية يطول ويطول لما فيها من أبعاد و رموز وعبر ، هي رواية المصالحة بين البحر و الصحراء ، تصف اللقاء الحميم و العاطفي بين الأفلاك و الحضيض في جوّ سحريّ [ من هنا ربما ينساب اسم { فلك } المؤلفة مثل لحن شجي ] ألا وهو أرض الخليج الخلابة و هي فعلا علامة فارقة بين بلدان العالم . فعدا عن كونها بلاد جميلة معطاء و مميّزة ؛ هي أيضا أرض نابضة بالحياة حيث نعثر على ولادة الحب و ديمومته ، و نسمع أهازيج تشنّف الآذان و تمجّد الحياة الأصيلة .
في تلك البلاد التي نحلم أن نزورها يوما ، حيث نسمع بالأسماء ولا نعرف ما إذا كنّا سنصادفها فعلا ، نعثر في الرواية على أسماء عربية قادمة من حنجرة صافية و نذكر منها : حارب، فارس ، نجود ، جيوان ، مطر ، مشاري ،خاطر ، بخيت ، دحام ، مبارك … إلى آخره،… ومن منا لا يذكر مسلسل( فارس ونجود ) على التلفزيون اللبناني منذ أكثر من 50 أو 55 سنة حيث تعرّفنا على تقاليد العرب في البادية في طفولتنا !
هكذا تستحضر الكاتبة فلك الشام مكارم الخليج والبحر والغوص واللؤلؤ و على ذكر اللؤلؤ تصدح في أرجاء الذاكرة أغنية :
” اللؤلؤ المنضود في فمك الجميل” يتحفنا بها الرائع المرحوم صباح فخري بصوته الأسطوري الشجيّ، فيبتسم اللؤلؤ في فم كل حوريّة و أنثى عربية ، تفتح أبواب قلبها للحبّ والحياة ، فكيف لنا أن نصف الصحراء من دون حرارة الشوق والجياد الأصيلة المطهّمة تعبر بسرعة الريح ؛ و على صهواتها الفرسان الأشدّاء . ولكي يأخذ القارىء فكرة عن لغة هذه الرواية الجميلة ، هاكم نبذة من النزهات الفيّاضة في السرد الراقي الذي ينساب كالماء الرقراق .
الكاتبة فلك الشام
في الصفحة 64 تقول فلك الشام :
” إن في الصحراء عشق إن رأيته ذرَتك الرمال ، وظلال تتكثف في عناق العشاق ، ما إن تهب الرياح حتى تقسو القلوب ويتّشح السواد على أهبة النخيل ، تورف على خيالاتها الكلمات ويترنّح السكون على عتبة الرحيل ويتلاقى العشاق سرّا وخصبا حتى إذا تقدس الحب كان بدويّا وكانت نجود من أجمل العاشقات وأوفاهن تركت الأنوثة فيها كل أسرار الجمال في خصرها المدوّر كخصر جواد وفي عنقها الممدود كشاطئ رمل حنطي ، ينسدل عليه شعرها البني الطويل عاشقة لمطر غيث الصحّارى جميعها ، رغم كل المصاعب التي تجمعهما والشدائد”…
ماذا عسايَ أقول في هكذا وصف أدبي بليغ يفوق في براعته كل المحاولات لوصف الحب على حقيقته وعلى روعته . هنا تتّحد الكلمة الشعرية بالنثر ، هذا الأسلوب هو من عرين القصيد في شعر منثور ، ولا يجب أن ننسى ؛ أن فلك هي شاعرة أيضا ونثرها يأخذ من معين الشعر ، خصبه وجماله وروعته المتجسّدة في جمال الكلمة وبراعة الأسلوب المرصوص كالبنيان المتين .
غلاق رواية الكاتبة فلك الشام
في هذه الرواية نشاهد الصراع بين الحضارات ، في البداية تنحسر الستارة وتظهر السفينة “شيكو” وقبطانها خوسيه إدواردو صاحب اللحية الحمراء barbe rouge و صاحب اللحية الحمراء هو قرصان معروف تاريخيا ، تذكرنا فلك بروايات الكاتب رافاييل ساباتيني والقراصنة في بحر الكاريبي ، بيد أننا ننتقل سريعا إلى سفينة النشامى والشرف والبطولة وهي سفينة “غزلان الخليج ” وللغزال مرويات كثيرة و حمد كبير و مسك و عنبر ، فالرمزية تأخذ باعا مهمّا في هذه الرواية وترسم ملامحها بقدرة قادر ، حيث لعبة السرد وانقلاب الحظوظ تتسرب إلى عمق المفهوم العام للرواية ومآلاتها . و عليه نقرأ في الصفحة 91 ما تأتي به المؤلفة ككشاف ذكي ومجرب و علامة فارقة إلى قلب و مركزية ما يمتاز به الخليج العربي ألا وهو : ذكر اللؤلؤ و ذاكرة المحّار حين تقول :
” إنها ذاكرة المحار وفي كل محارة لؤلؤة وفي كل لؤلؤة سر بحار ، و رقص طويل الأمد وعشق و بادية و قسوة الصحراء وبحر وصيد وحروب ومعارك . دائما هذه الذاكرة فيها من الحكمة والبصيرة و فيها من الشدّة و القسوة ، ودوما ما تهبّ فيها ومنها الرياح لتحرّك المراكب إلى رحلاتها والنواخذة والطواشة يدخلون المراكب بلباسهم الأبيض الذي يزيّن بشرتهم الداكنة فتظن أن الليل والنهار يتداخلان وأن الزمان رحلة…..
هذا التتابع والتوالد بين اللؤلؤ و المحار والأسرار و القنص والصيد والحروب والمعارك ، هو سرّ العودة الأبدية في تجاذب المتناقضات و تعاقب الأضداد (أسود أبيض ليل ونهار ) في الحياة و قسوة الحياة كما نعرفها ، ولكن في النهاية هذه هي الحياة على واقعيتها ولا نملك عنها بديلا سوى الرسم باستعمال الصور الروائية التي تحيا أمام نظرنا . أوليست الرواية صفحة من سفر الكينونة الجميل في كل أبعاده وكل ظروفه و أفراحه و مساوئه على حدّ سواء !؟
هكذا تتواصل الأحداث في هذه الرواية بشكل تصاعدي ، إلى أن نصل إلى الصفحة 135، حيث نشهد الصراع بين أهل الخليج والقراصنة في مشهد حقيقي يرتقي بالرواية إلى مصاف الواقعية ، والسرد الروائي الذي ينقل القارئ إلى الأحداث مشاركا و لاعبا و كأنه يعيش الأحداث في صلبها .
صورة للكاتبة فلك الشام
ومن ذلك الحين وخلال متابعة تراكم الأحداث ، نلاحظ أن ثمّة عود على بدء في تضاعيف الرواية ؛ إذ في الصفحة 156 نعود إلى ذكر الصحراء مركز كل المغامرات والأحداث ، حيث تقول فلك :
” من عادة الصحراء أن ترمي في مغاورها الصخرية القليلة، كل ما فيها من أسرار، ترتفع تلك المغاور على تلال من الصخور الصامتة، بحيث لا يمكن الوصول إليها بسهولة ، لا طريق نحو القمة إلا عبر الصخور فكيف استطاع الأعرج أن يتسلق تلك القمم وهو يدفع أمامه رجلا مكبّل اليدين و رأسه مغطى بكيس من القنّب …”
وبعد ..لن نجد في هذه العجالة متسعا للإحاطة بكل تفاصيل الأحداث ونترك القارىء على رسله ، أن يقرأ و يستمتع بهدوء و سجية بحيث تتوالى فصول الرواية بحذق و سلاسة . و حين نقرأ نحدس أن فلك قالت ما تحب قوله بصدق و حرية ملفتة وهي في الوقت عينه تحضر لرواية أخرى تدور أحداثها حول العالم فالكاتبة تجمع بين اخبار بيدبا الفيلسوف ورحلات السندباد والفارق الوحيد هو أننا في القرن الواحد و العشرين ولا تزال متعة الرواية كما هي لا تتبدل ولا تزول .
الناقد أ د. أنطوان يزبك:







