قراءة في أطروحة أكاديمية: رؤية مثقفة تمشي إلى جانب الإرث
بقلم: فاروق غانم خداج (كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني):
ليست كل مناقشة أكاديمية حدثًا جامعيًا عابرًا. أحيانًا تتحوّل إلى مساحة كاشفة، لا عن البحث وحده، بل عن صاحبه، وعن العلاقة الدقيقة بين الفكر والحياة. فكيف إذا اجتمعت صرامة البحث وعمق الفيلسوف، وشاعرية المبدع، وحكمة الحياة اليومية؟
هذا ما لمسته خلال متابعة مناقشة أطروحة الماجستير للشاعرة والمهندسة ميراي شحاده في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، بعنوان: «تجلّيات الإبداع عند سارتر وأدونيس».
الشاعرة ميراي شحاده
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن العمل المعروض ليس تمرينًا أكاديميًا تقليديًا، بل ثمرة مسار فكري متأنٍ، يتعامل مع الإبداع بوصفه سؤالًا وجوديًا، لا مجرد مفهوم جمالي. وقد انعكس ذلك في طريقة العرض، وهدوء الدفاع عن الفكرة، والانفتاح الواعي على ملاحظات اللجنة وأسئلتها.
قبل الدخول في مضمون الأطروحة، لا بد من التوقّف عند سياقها الإنساني. فنحن أمام امرأة مهندسة ناجحة، وزوجة، وأمّ، وصاحبة دار نشر، استطاعت أن توفّق بين مسؤوليات الحياة اليومية ومتطلّبات البحث الأكاديمي. هذا التوفيق هو تجسيد عملي لفكرة “الالتزام” السارتري التي درست؛ التزام تجاه الذات والعلم والحياة معًا. تتحوّل ساعات الليل وهدوء الصباح الباكر إلى فسحة للعمل الفكري، متوازية مع أعباء الواقع. هذا البعد، رغم غيابه عن متن الأطروحة، كان حاضرًا في نبرة الباحثة وانضباطها.
وتزداد التجربة دلالة حين نعلم أنّ ميراي شحاده تنتمي إلى أسرة أدبية بارزة، اسمها عبد الله شحاده. غير أنّ اللافت أنها اختارت منذ بداياتها ألا تتخذ من هذا الاسم سلّمًا للشهرة أو مرجعًا لحضورها الثقافي. لم تكتفِ بالمشي إلى جانبه، بل حملت إرثه بخفة الوارث الواثق ومسؤولية الحافظ الأمين، لتحوّله من ذاكرة تُحفظ إلى مشروع يُحيى.
أسست دار نشر تحمل اسمه، ليس كرأسمال رمزي، بل كقيمة ثقافية تُصان وتُستكمل، ليصبح هذا الاختيار موقفًا أخلاقيًا يعكس فهمًا ناضجًا لمعنى الإرث والمسؤولية.
الشاعرة ميراي شحاده مع لجنة مناقشة الماجستير في كلية الآداب
على المستوى الأكاديمي، جاءت الأطروحة محكمة البنية، واضحة الإشكالية البحثية، واعية لمنهجها. انطلقت الباحثة من سؤال مركزي حول الإبداع بوصفه فعلًا يؤسّس للذات، لا مجرد ممارسة فنية. ومن هذا المنطلق، وضعت جان بول سارتر وأدونيس في حوار فكري يتجاوز المقارنة السطحية.
وهنا يطرح سؤال مشروع: هل يمكن الجمع بين فيلسوف وجودي غربي وشاعر حداثي عربي دون الوقوع في التبسيط أو الإسقاط؟
تُظهر الأطروحة أنّ ذلك ممكن حين يرتفع النقاش إلى مستوى المفهوم الوجودي المجرد، لا إلى التوازي القسري بين النصوص.
عند سارتر، يتجلّى الإبداع فعلَ حرية، ومواجهة للعدم، وممارسة للالتزام والمسؤولية تجاه العالم. أما عند أدونيس، فيظهر الإبداع انفتاحًا دائمًا على اللانهائي، وثورة داخل اللغة، وتجاوزًا للهوية الثابتة.
وهنا كان التحدي والإنجاز: لم تكتفِ الباحثة بإيجاد نقاط تشابه، بل نسجت من مفهوميْهما للإبداع حوارًا فلسفيًا يثري كليهما، وكأنها تضع المرآة بين فكرين ليكشف كل منهما عن أعماق الآخر. وبين الرؤيتين، نجحت الباحثة في إبراز نقطة تلاقٍ جوهرية: الإبداع شرط تحقّق الإنسان، لا ترفًا فكريًا ولا زينة لغوية.
تميّزت المناقشة بمداخلات أكاديمية رفيعة، أغنت البحث ووسّعت أفقه. لم تكن مداخلات الأساتذة مجرد تقييم، بل مشاركة في صنع المعنى. فتساؤلاتهم عن “الإبداع في عصر السرعة والسطو الرقمي” و”مصير الحرية في عالم معقد” حولت المناقشة إلى ندوة مصغّرة عن أسئلة العصر الكبرى، متجاوزة حدود الأطروحة لتطرح تساؤلات أوسع حول دور الثقافة اليوم.
القيمة الأبرز تكمن في التقاء الفكر بالممارسة. فكأن الباحثة، وهي تدرس مفهوم الالتزام عند سارتر، تمارسه في واقعها العملي، وكأنها، وهي تقرأ ثورة أدونيس داخل اللغة، تخوض ثورتها الخاصة على حدود الوقت والأدوار الجاهزة. لم يكن البحث معزولًا عن الحياة، بل متشابكًا معها، ممتدًا من الصفحة إلى العالم الواقعي.
من هنا، تبدو العلامة العالية التي نالتها الأطروحة نتيجة طبيعية لمسار متكامل، علميًا وإنسانيًا. فهي عمل يثبت أن البحث الأكاديمي، حين يُنجز بوعي ومسؤولية، قادر على أن يكون إضافة معرفية حقيقية، لا مجرد استحقاق جامعي.
في النهاية، تقدّم تجربة ميراي شحاده نموذجًا لمثقفة تجمع بين المعرفة والعمل، وبين الوفاء للإرث وبناء مشروع مستقل. هي مثال على أن الإبداع، حين يُعاش بوصفه قيمة ومسؤولية، يتحوّل إلى طريقة وجود، لا مجرد عنوان عابر، بل يصبح نهج حياة وحضورًا مستمرًا. هكذا تذكرنا أن الإبداع الحقيقي ليس ما نكتبه على الورق فقط، بل ما ننحته في صخر الحياة اليومية. علامتها العالية شهادة على أن الفكر، حين يمتزج بالإرادة، يتحول إلى قدرة على تغيير العالم، بدءًا من تغيير الذات.
الكاتب والناقد فاروق غانم خدّاج







