– كتب فاروق غانم خداج (كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
يبرز كتاب “لأن الثقافة حياة” للشيخ وسام سليقا كعمل فكري رصين يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة في زمن تتسارع فيه المعلومات وتختلط فيه القيم.
يكشف الكتاب عن ضرورة النظر إلى الثقافة بوصفها عنصرًا جوهريًا في صياغة الوعي الإنساني والممارسة اليومية، وليس مجرد تراكم معرفي نظري. فهو يقدم رؤية متكاملة للثقافة كنسيج حي يربط الماضي بالحاضر، ويقوي العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الفكر والعمل، مع التأكيد على أنها ليست رفوفًا مليئة بالكتب فحسب، بل ممارسة يومية تُشكل الشخصية وتحدد طريقة العيش والتفاعل مع الآخرين.

صدر الكتاب عن دار الأنام للطباعة والنشر في ديسمبر 2025، ويعكس التزام المؤلف بمقاربة واقعية للثقافة، تنطلق من فهم دقيق للواقع الاجتماعي بعيدًا عن التنظير المجرد.
يظهر من خلال صفحاته اهتمام واضح بتقوية العلاقة بين الفكر والسلوك، مؤكدًا أن الثقافة الحقيقية هي التي تتجلى في الحياة اليومية، وفي القدرة على الحوار، وتحويل المعرفة إلى فعل أخلاقي واجتماعي ملموس.
ارتبط صدور الكتاب بحفل توقيع لافت في بلدة الفرديس، حضره سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، إلى جانب شخصيات دينية وثقافية وسياسية متنوعة من مختلف الخلفيات. مثل هذا الحضور المتنوع تجسيد عملي لفكرة الكتاب الأساسية، حيث شكّل منصة حوار حيّة توحد رؤى مختلفة، وتعيد بناء مساحات مشتركة للتواصل الفكري تتجاوز الانتماءات الضيقة.
الشيخ وسام سليقا يوقٍّع كتابه في بلدة الفرديس
يتسم طرح الكتاب بالشمولية، فيعرض الثقافة من زوايا متعددة. يبدأ من فهمها كنمط حياة يظهر في سلوك الفرد، ويمتد لتحليل تأثير العولمة وثورة المعلومات على الهوية، داعيًا إلى تنمية وعي نقدي يفرق بين الجوهري والعابر. كما يولي التعليم أهمية قصوى، مشددًا على أن دوره الحقيقي هو تعليم التفكير وتشجيع السؤال، وليس التلقين، ليصبح الفرد قادرًا على المشاركة الواعية في صياغة ثقافة مجتمعه.
ويبرز الكتاب بشكل لافت العلاقة العضوية بين الثقافة والتماسك الاجتماعي، معتبرًا أن الثقافة المشتركة هي الغراء الذي يمنع التفكك، وأن الوعي الثقافي يحول التنوع من مصدر محتمل للصراع إلى منبع للإثراء. يؤكد المؤلف هنا أن الثقافة ليست ترفًا نخبويًا، بل حقًا للجميع وشرطًا أساسيًا لتماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات، سواء المحلية أو تلك الناتجة عن رياح العولمة العاتية.
يتميز النص بلغته الجذابة وعاطفته المتزنة، التي تربط بين الفكر والمعنى وبين التحليل والنقد دون إقصاء. فالثقافة عند سليقا ليست في صدام مع الدين أو الموروث، بل هي جسر لفهم أعمق للإنسان وتقوية الصلة بين المعرفة المجردة والتجربة الحية.
يسعى الكتاب بهدوء إلى ترميم العلاقة بين الإنسان وذاته، بين الوعي والروح، وبين المعرفة وتطبيقها، مؤكدًا أن الثقافة المعاشة تصبح قوة بناء فردية وجماعية ومصدرًا للرقي.
لاقت فكرة الكتاب تفاعلاً واسعًا، حيث عبّر الحضور في حفل التوقيع عن تقديرهم لطرح الثقافة بلغة قريبة من العقل والقلب معًا، للتأكيد على أنها مشروع حياة وليست شعارًا.
وكان حضور شيخ العقل إشارة رمزية عميقة على إدراك المرجعيات الدينية لدور الثقافة الحيوي في تعزيز اللحمة المجتمعية، وإمكانية أن يتكامل الانفتاح الفكري مع العمق الروحي في مشروع حضاري واحد.

لا يكتفي الكتاب بالوصف النظري، بل يقدم إطارًا عمليًا لفهم الثقافة كخيار وجودي. إنه يدعو القارئ إلى التعامل معها كتجربة يومية، ووسيلة لبناء الشخصية، ورافعة للوعي الاجتماعي، ومصدرًا لفهم العلاقات الإنسانية. ويشير بوضوح إلى أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في المستقبل ، وأن المجتمع الذي يتبناها كخيار حياة يكون أكثر صلابة في وجه الأزمات وأكثر قدرة على اقتناص الفرص.
من خلال قراءته، يصل القارئ إلى قناعة راسخة بأن الثقافة ليست حملاً من الماضي، بل هي مستقبل نصنعه بأيدينا. إنها العنصر الأساسي لإحياء الإنسان والمجتمع معًا. فالوعي الثقافي، في صلته العضوية بالقيم والسلوك، هو ما يجعل الحياة ممكنة بكل عمقها، ويحوّل ضجيج المعلومات إلى فهم، والفهم إلى ممارسة أخلاقية واعية.
يقدم كتاب الشيخ وسام سليقا “لأن الثقافة حياة” نموذجًا ملهماً لما يمكن أن تكون عليه الثقافة حين تتحرر من أبراجها النظرية العاجية وتصبح فعلاً حياتيًا حقيقيًا. فهو يربط الفرد بالمجتمع، والمعرفة بالقيم، والفكر بالعمل، ويعيد للوعي مركزه في زمن يطغى فيه السطحي على العميق، والضجيج على الصوت الهادف، والانشغال على الحياة الواعية.
ويضع الكتاب، من خلال تحليله الواقعي وتصوره الشامل، أرضية مشتركة للنقاش البناء، مؤكدًا أن الثقافة حق للجميع ووسيلة لا غنى عنها لبناء مجتمع متماسك، واعٍ، ومتحضر.
الكاتب والناقد فاروق خدّاج







