كتب فاروق غانم خداج ( كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
الشعر عند وجدي عبد الصمد ليس كلمات موزونة أو عواطف عابرة، بل هو مجال تتفاعل فيه الحياة الداخلية بكل ما فيها من حب وحنين وأسئلة. في ديوانه الأخير «لَحظٌ في عيون المساء»، الصادر عن دار فواصل – بيروت، يقدّم الشاعر نصوصًا مرسلة وصورًا شفيفة ولغة نقية، تجعل القارئ يعيش لحظات الديوان؛ وكأنها اعترافات مضيئة من عمق الروح.
وُلد عبد الصمد في عماطور – الشوف عام 1963، ويحمل إجازة في إدارة الأعمال، وهو عضو في اتحاد الكتاب اللبنانيين. وقد شكّل توقيع الديوان في المكتبة الوطنية – بعقلين (نوفمبر 2025) لحظة دافئة التقى فيها الشعر بالقراء، حيث أثنى النقاد على العمل: رأى نعيم تلحوق أنّ العاطفة فيه “صادقة لا تتكلّف”، وأشاد هنري زغيب بنقاء اللغة، فيما لاحظ طارق آل ناصر الدين توازنًا نادرًا بين الوجدان والفن.
الشاعر وجدي عبد الصمد
منذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أن الشاعر لا يكتب الحب بوصفه شعورًا رومانسيًا فحسب، بل قوة توجه الإنسان وتضيء مساره:
“يقودوني قدر والعمر بي خفر / والعطر فوق غمار الشوق يعتصر”
هنا يصبح القدر مسارًا يتحرك فيه الوعي، ويتحوّل العطر إلى أثر من الشوق يشكّل نبضًا داخليًا، كأن الوجدان نفسه يُعاد صياغته في كل بيت.
ويستمر الشاعر في هذه الرحلة الوجدانية:
“أمشي، وفي مهجتي نبضٌ يهدهدني / أخطو خطى النور حيث الحبّ والكبر”
المشي هنا ليس حركة جسدية، بل رحلة روحية نحو توازن بين العاطفة والوعي. النبض الذي “يهدهده” يشي بأن الحياة ليست دائمًا هادئة، وأن الشعر قد يكون الوسيلة الوحيدة للتمسّك بالنور وسط ما يعتري الإنسان من قلق.
وتتداخل صور الطبيعة بالوجدان:
“إخالني لهفةً في القلب زنبقةً / تنساب في صفوةٍ أسرى بها القدر”
الصورة تجمع بين الزهرة والقلب والقدر، لتصنع لغة كونية تتحرك فيها العاطفة بحرية، ويصبح الشعر مرآة تلتقي فيها الذات بالعالم.

وفي مقطع آخر، يترك الشاعر للعاطفة المجال كي تنساب دون قيود:
“أذنتُ للقلب أن يندى بريّاها / وقلتُ للروح أن تصبو بنجواها”
يسمح للقلب بأن يبتلّ بندى العاطفة، وللروح بأن تتألق بنجواها، في تأكيد أن القصيدة عنده مساحة حرة وصافية تعيد ترتيب المشاعر وتطهيرها من ضجيج اللحظة.
على مستوى البناء الفني، يبرع عبد الصمد في الموازنة بين الموسيقى الداخلية للقصيدة وسلاسة النص المرسل. فلا يظهر الوزن عبئًا، بل ركيزة للمعنى. وفي نصوصه المرسلة تتجلّى الصور بإحساس دافئ:
“في جنتي وردةٌ ألوانها قبلُ / كمقلةٍ بخيوط الفجر تكتحل”
الصورة هنا حركة ولون ونقاء، ترسم لحظة تفتح حقيقية دون افتعال أو تزويق زائد.
كما ينجح الشاعر في ربط الشعر بالحياة اليومية، بين الجرح والورد، وبين الحب والخسارة. ففي أحد المقاطع يقول:
“شاعرٌ يطوي القصائد، تمامًا مثلما
يطوي ثوبه على عوده.
كلاهما يتشققان، عن وردٍ ووجد.”
القصيدة ليست نصًا مستقلًا، بل امتداد للحياة، للقلق، وللفرح. كل تشقق فيها هو تفتح جديد للمعنى.
يحافظ عبد الصمد أيضًا على بعد رمزي وإنساني رشيق، بعيدًا عن التوثيق الخارجي للأحداث. فالعالم في نصوصه يمرّ عبر مرآة الروح، لا عبر التجميع الإخباري. وهذا ما يمنح شعره صدقه وأصالته.
ويحضر الليل والأحلام كمساحة للتأمل:
“ولي في الليل أحلامٌ أراها / حكاياتٌ تجلّت في رؤاها”
الأحلام ليست هروبًا، بل وسيلة لإعادة بناء الوعي، وترميم التجربة الإنسانية، ثم تحويلها إلى نص يتكامل مع القارئ ويمنحه فسحة للتأمل.
وهكذا، تنبني نصوص الديوان على لحظة فاصلة بين الذات والكون، حيث يصبح الشعر فعلاً من أفعال الوجود، لا مجرد جملة على الصفحة. كل بيت نافذة صغيرة تطلّ على مساحة داخلية ممتلئة بالضوء.
وفي ختام النص، كما في مطلعه، يبدو واضحًا أن عبد الصمد يقدم في «لَحظٌ في عيون المساء» واحدًا من أصفى أعماله. فهو يحوّل اللحظة العابرة إلى ضوء، ويجعل من العاطفة لغة متوهجة، ومن الشعر تجربة وجودية تنبض بالحياة، لا مجرد كلمات تُقرأ وتُطوى.
الناقد الأدبي فاروق خدّاج








انه من اروع الاعمال ، بالنجاح دائم