مجد العقباني كتابا
السفر إلى الجنة
“حينما يشرع الإنسان في رحلة البحث عن المعنى الأسمى لوجوده، فإنه كمن يبصر الطريق لأول مرة. حيث تضاء الدروب المظلمة…فهذة السفينة لم تكن مجرد خشب ومسامير، بل كانت رمزا للنجاة والفطرة الإنسانية التي تطمح دوما للخلود…”
مفهوم الكتابة يعود في الأصل، إلى التماهي، مع ما يشغل النفس في الخوف والحب. ففي هذين الجذرين، تكوكبت شجرة الإبداعات الأولى، بعد رسمها، بالكتابة. كان لا بد للخوف من طب يشفيه من شقاوة الإنسان به. إختار دوحة الحب، وجلس في ظلها يكتال الريح، حتى يشفى من التباريح. خاض أولى معاركه مع الخوف بالحب. غاص في الحب حتى ينسى هواجسه، مما يتربص به من غوائل الطبيعة. كانت أدواته الأولى بدائية. لكن ما أجمل البدايات المؤسسة للمعاني الكبرى. أخذ في رسم ما يحب. كان يضع رسوماته قبالة ما يخاف ويخشاه، حتى يهرب خوفه إلى الإبتراد في بئر الحب. كانت الرسوم الأولى معالم الطريق إلى الخالق. يرجوه ويضرع إليه، أن ينصره على خوفه.
“الإيمان هو البعد الأساسي والموجه الإيجابي للفرد في جميع تصرفاته…إن أبعاد الشخصية الروحانية، تعمل كمنظومة دينامكية. فكل بعد يؤثر في الأبعاد الأخرى ويتأثر بها.”
كانت المرحلة الثانية، النزول عن شجرة الرسوم، إلى دوحة الكتابة، بعدما تعين الصوت في الخوف والحب لمواجهة الخوف. إختار الأبجدية طريقه. وصارت جميع كتاباته إلى الحروفية. فكانت الأدعية والإبتهالات والضراعات، وإلتماس القربى إلى الخالق. وجد في عظمته، عملا لا ينتهي، مهما بلغ من العمر.
“جواز السفر إلى الجنة. مجد سلطان العقباني. الأنام للطباعة والنشر. لبنان- عاليه- عرمون. 140 ص. “

حيث التأسيس على معنى الخلق. وعلى معنى حب الخالق، سبيلا للإنتصار على الذات وعلى الخوف الذي يجعل الإنسان ينشد السكينة واللجوء إلى دنيا الخالق، من فرط الخشية.
“يبقى الجانب الروحي شاهدا على أن الخدمة الحقيقية، ليست مجرد عمل، بل هي عبادة صامتة تعبر عن عمق إلتزامنا تجاه الإنسانية، حيث تتحول الجهود إلى رسالة حب خالدة تتجاوز حدود الزمن”.
الأستاذة مجد العقباني تذوب شوقا إلى الخالق. ففي الجانب الروحي، تراها تنطلق من معنى الروح، تقيم عليه عمارتها النفسية، ليس لها وحدها وحسب، بل للناس جميعا. تبلور الشخصية الروحية. وتأخذ في الإتكاء عليها. تدرب الآخرين على إتباع الطريق المستقيم، حتى يوفقوا بالعيش في سلام داخلي. فهو عندها الأساس والنبراس والقسطاس. جاعلة كل ذلك في قراطيسها المضبرة بعناية فائقة. إذ العيش بسلام داخلي، هو البوابة إلى جنان الدنيا والآخرة. تحضنا جميعا، على ترك جلد الذات، والإنغماس في حب الخالق، والسير على دروبه، حيث الوصول إلى الجنة، مطلب الناس جميعا. وهذا بحد ذاته إنتصار على الذات. لا بجلدها وتعذيبها، وإنما بإغرائها بالحب، وإغرائها بالشوق.
“إستحضار الله يكون في كل الأوقات التي تمر بنا. وفي خلواتنا وكل تأملاتنا. الله قريب منا. لا أحد يحدد صلتك به. أنت الوحيد القدر أن تفعل الصلة…تطلب المدد والعون.”
الكاتبة مجد العقباني
الأستاذة مجد سيطان عقباني عظيمة الإغراء بالمناجاة. وبالضراعات وبالإلتماسات. ولهذا ترى في كتابها الأثير، ما يحض على متعة التواصل مع الخالق، من خلال صناعة الأيدي الكريمة والنظيفة. ومن خلال إطلاق القلب في ورشة العبادة الدائمة. فطقس العبادة، فيه من المتع ما يجعل المرأ ينغمس في روحانية مطلقة. أين منها التسليم بكل شيء. وذلك يؤسس للراحة الداخلية. والراحة النفسية. والراحة الإجتماعية.
” عملية البقاء الدائم، هي عملية روحية تشير إلى الاستمرارية في الحياة والنموذج الشخصي والروحي… يعني أن يعيش الإنسان حياة مفعمة بالحب الإلهي. بالمصدر. بالمعنى…التقدم والابتكار.”
إلى ذلك، يمكن أن نرى في كتاب “جواز سفر إلى الجنة” موضوعات تدعو إلى وحدة الخلق. فهم جميعا سواسية، في العيش وفي الكرامة الإنسانية. ولهذا ترى من الضرورة بمكان الدعوة إلى السوية أمام الخالق. وكذلك بين خلقه. وخلال المسيرة التي يقطعها المرء إلى الآخرة.
“المساواة تذكر الناس بأنهم جميعا من خلق الله. وأن عليهم أن يتعاملوا مع بعضهم البعض، بعطف ورفق. مما يعزز من الروابط الإنسانية والأخوية والروحية بين الناس.”
تدعو الأستاذة مجد أيضا وأيضا إلى التمكين الروحي، من خلال الإيمان ومن خلال الأعمال. فالإيمان، طريق إلى الأعمال. والعمل الصالح عندها، رأس كل الأعمال. ولهذا نراها تأخذ في التشويق والتنويه، بعالم الأرواح الذي يتسع للجميع. حيث الفضاء الروحي، هو فضاء للجميع. وهو لهذا يتسع بالعمل الروحي الدائم والدؤوب. إنه العمل الذي لا يتعب من العمل. فعمال الأرواح وعمال النور، هم على طرق عديدة لجهة واحدة، فما أروعهم، إذا إتخذوا الهداية سبيلا. لأن رسالتهم في الأرض، إنما هي “جواز سفر إلى الجنة”، لا يلحق به تزييف، ويند عنها كل زيف.
“اللهم إجعلنا من الذين يسيرون على صراطك المستقيم. وتقبل منا أعمالنا. وإرزقنا من فضلك وعطائك ما لا يعد ولا يحصى. اللهم إجعلنا من الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين








كلّ الشّكر حضرة الدّكتور الفاضل قصي على تحليلك العميق الجميل🙏🏻🙏🏻🙏🏻