د. ندى جابر رواية
جيل ما وراء الطبيعة
“إنها الرواية المعاصرة التي نتطلع إليها بشغف…تتخطى تصورات وتوقعات أغلبية الناس…حول ما يمكن أن يقدمه العقل البشري في المستقبل.”( د. هاشم خواجة).
مع بداية القرن الواحد والعشرين والألفية الثالثة، بدأ العالم يتحرك بسرعة فائقة، لمواكبة التقدم العلمي الذي كان من أبرز إنتاجه، الذكاء الإصطناعي، خرافة هذا العصر الذي يقتحمنا بكل قوة. ولهذا نرى الإنعطافة الكبرى، لا في شكل الحروب وأخواتها، والتي رمت كل الإنتاج الصناعي الذي رافق مرحلتها، جانبا. بل سجلت أيضا إنعطافتها المدهشة، في الأدب والشعر والرسم والفن. وكذلك في المسرح والسينما وعالم الصورة والتصوير والتصور، عامة. إنه عالم جديد من التكنولوجيا، آخذ في التموضع بيننا. وهذا لعمري، لمما خلخل جميع البنى القديمة، وجعلها تتشقق كما جدران الهياكل والحصون والقلاع والأسوار والمنازل، عن كوى جديدة، ينبت فيها النبات البري الجديد، من النوع المتخيل. يهيء لعصر جديد مختلف، نستطيع أن نسميه بكل ثقة: “جيل ما وراء الطبيعة”.
” د. ندى أحمد جابر. حكاية واقع… سيكون. الدار العربية للعلوم ناشرون. بيروت- 2025: 275 ص.”،
د.ندى أحمد جابر
دنيا جديدة تتسع لنا في الرواية التي تتجاوز الزمن الحاضر إلى ما وراءه. تتخطاه. بل تسبقه وتسابقه، بمئتي عام. وأظن أن القدماء كانوا ينظرون إلى الخلف. وكانوا يصرحون، بأنهم لا يرون أبعد من مئتي عام. وعلى أساس من ذلك بنوا معجزتهم. قال الجاحظ ذلك صراحة. حين قدر عمر الشعر العربي، بمئتي عام، في كتابه الأثير: “الحيوان”.
كتابة الأدب الجديد، المتجاوز للحاضر و للآني، باشرته د. ندى جابر، وسجلته على نفسها، منذ البداية، إبتداء من زمنها، بمئتي عام. وازنت بين النظرة المستقبلية التي أتت بها، والنظرة التاريخية، التي قال بها القدماء. وجعلت من شجرة الأدب، بل من شجرة الرواية، تناظرا، لا أظنه عفويا، بل يقوم على أساس من الحدس، وهو قطب الحداثة المستشعرة عن بعد. والتي تدعم الغصون بالجذور. وتقيم التوازن، حتى لا يحدث خلل ما يعيق النظرة الثاقبة إلى الأمام، في واقعية الرواية الجديدة، التي تشغل العالم الجديد، والذي ينبت حتما، عما يدفع به الذكاء الإصطناعي دفعا.
“…سرت من دون أن أنطق بكلمة، خوفا من قراءة المزيد من أفكاري، متجهة نحو الغرفة التي عرف أنني أبحث عنها. أهو العلم؟ أم هي لعبة الميتافيرس التي تسوقني مئتي سنة نحو الأمام؟…”
د. ندى جابر، ترصد الما يحدث لها على أنه جزء أساسي في مداميك عالم جديد سيغزونا وإن تأخر غزوه. فنحن لا نستطيع أن نراه اليوم إلا بذكائنا. ولهذا تبدأ الرواية من أساس متجاوز لما نحن عليه، في حقائقنا و في أوهامنا. إنه الحجر الجديد، الذي هو صورة جديدة لحجر الكيمياء عند اليونان. ولحجر الحظ عند العرب القدماء. أو لحجر القلاع، في العمارة الرومانية القديمة. أو لحجر الفلسفة اليونانية، إن شئنا أو أبينا. فكل شيء توارثناه، هو من صنع الفلسفة: كتاب الدنيا. وأدب الحياة المعاش، والذي بني على التجربة.
” هذا زمن مجحف بحقنا… لا نجد وظيفة. أصبح العالم مقسوما إلى طبقتين: أغنياء فوق العادة، لا يستخدمون إلا الروبوتات. وفقراء فوق العادة، لا يجدون وظائف.”
إنه حقا، جيل ما وراء الطبيعة. لا نعرف له مصدرا. ولا نعرف له قوى. ولا نعرف له منبتا. ما هكذا تعودنا في حياتنا القديمة. أقله منذ مئتي عام. فكيف نستطيع أن نتجاوز أنفسنا، لما بعد مئتي عام، ونعيش بهدوء وسكون وأمان، بين عقول آخذة في التجاوز في كل شيء. تسلينا عن واقعنا الطبيعي، وتجعلنا ندور في فضاء وهمي. فهل صار الوهم حقيقة علينا، ولباسا نلبسه حتما، كلما خطت بنا خطواتنا. وعلما بلا مدرسة. وبلا كتاب. وبلا مدرسين.
فنحن صخرة هذا الزمن القديم، وقد بدأت تتخلخل أمام عيوننا، من خلال مناظير الروبوتات الحالية. فما بالنا بالروبوتات القادمة، بعد مئتي عام…
“ربما هو نمط الحياة السريع. وربما هي الهرمونات… أو ربما العلماء أنفسهم. وهذا ما يردده بعض عشاق نظرية المؤامرة: العلماء يزودون البشر بهرمونات تبقيهم أصحابا وشبابا، وفي ذروة الإنتاج التي تفيد المجتمع…”

د. ندى جابر، تستبق الزمن الطبيعي، بمئتي عام. فإذا ما أضفنا زمنها، إلى زمن الجاحظ، فإن روايتها تدور حول نصف قرن من الزمن تقريبا. منه ما مضى. ومنه ماهو آت على عجل، بسرعة ما يتنبه إليه الذكاء الإصطناعي من معادلات خلاقة. وبذلك يكون أمرها: التسابق مع ما يأتي، حتى تظل الحياة قائمة على ساقها. بالحضور الطبيعي، أو بالحضور الصناعي. وهيهات، هيهات، أن يمكن اللحاق بها.
” أوافقك الرأي. لكن في زماننا- أعني الزمن الذي سبق زماننا، مع بداية مطبعة غوتنبرغ وانتشار الطباعة- وإقبال الناس على القراءة، كان لها التأثير الأكبر فيما سمي لاحقا ب “عصر النهضة”. ومع ذلك، فقد خلقت جانبا من العزلة….”
د. ندى جابر تتولى في فصولها المتتالية والمتعاقبة، الكشف عن وقوعات الإنسان وتوقعاته كلها. وهو يجتهد لتجاوز طبيعته، بالذكاء الإصطناعي. وهي تذكرنا، بأن في كل منا: الطبيعة، والطبيعة المتصورة. بل المتخيلة. هي التي تمهد لتجاوز الإنسان نفسه، في السنوات القادمة. غير أنها تترك وراءها رسالة، تشي بعبودية الإنسان الجديد. عبودية الروبوت. وهي عبودية أشد وأدهى.
” إلتفت إلي مبتسما، وتابع دوران بين الصخور… لاحظت وأنا أراقبها، شيئا يلمع بين الأعشاب… مددت يدي، وإذا به عقد من الماس:
- خالد… وجدت شيئا. رد خالد بسرعة:
- وجدت سوبرمان”.
د. ندى جابر، تبحث في روايتها المتخيلة، عن الروبوت الخفي عليها. ذلك الروبوت الذي أبدعها دون أن تدري. ودون أن يعلمها. تتحسس عبودية الروبوت عند الآخرين. يقلقها الروبوت جدا، لأنه مستقبل الإبداع. ومستقبل الابتكار. ومستقبل الطبيعة الجديدة التي يصنعها. لأن الطبيعة القديمة، لم تعد تليق بعصر الروبوتات. ولا بعصر الذكاء الإصطناعي. ولا بعصر : “لكن. وليس. وليت. ولعل.” بل هو عصر يعود، إلى مبدأ: “كن فيكون”. إنها الدورة الجديدة، إلى عالم العبودية. تستطلعها د. ندى أحمد جابر بكل ثقة. وروايتها: ” حكاية واقع… سيكون”، ربما تشي بها.
“… كل ما وعد به العلماء… وكل ما حذروا منه… شاهدته… واقعا.
… رأيت المستقبل… حقيقة وليس خيالا…
وعشت ما سيكون… لأكتشف أنه كان…
صدقا كان.”…
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







