الأسئلة القلقة
“يفترض الحديث عن “ثقافة عربية”، وجود إجماع على تعريف الثقافة وتحديد ماهيتها. ويرجح أن الإجماع المطلوب غير متوافر على وعي صيغتها. فهل الثقافة، مجموعة تصورات إذا تم التفاهم عليها يتشكل ما يشبه الإجماع على هوية ثقافية، أم هي بنية ذهنية جاهزة يتم قبولها أو رفضها بحسب أهواء الأشخاص ورغبات الأفراد، أم هي فعل زمني دائم يتم إنتاجها وإعادة إنتاجها وفق ظروف البيئات وحاجات المرحلة؟ أسئلة الثقافة، هي أسئلة عنها على المستويين النظري والتاريخي.”
ربما كان القلق الإنساني، هو الذي ساهم بظهور وجوه عديدة للثقافة التي تعتبر الباعث الأولاني، عن جميع الإجابات الفكرية والعلمية. ذلك أن الإنسان القلق، يشتغل دون أن يدري، على تحريك جميع الوسائط، للتخفيف من بواعث القلق الذي يجعله في إضطراب دائم. فلا سكون في الحياة الإنسانية، إلا في طيات الأرض. حين تطوي كل شيء عليها، وتعيد إنتاجها من جديد، في دورة البذر والإنبات والإثمار والعودة إلى الرحم الأولاني الأعظم: عنيت رحم الأرض.
” وليد نويهض. مدخل إلى مأزق الثقافة العربية. نلسن-2024. بيروت: 235 ص. تقريبا.”
حيث الإجابات السريعة، على جميع النقاشات والمداولات الثقافية، التي يتردد صداها في النفوس، على إيقاعات التاريخ والتطوير والتحديث والتجارب المستمرة، منذ الإنسان الأول حتى اليوم.
“قلة المياه في الديار العربية أسهمت في عدم إستقرارها التنظيمي- السياسي.بينما كثرتها في أوروبا ساعدت على الإستقرار والتراكم العمراني وأعطت فرصة للممالك للبحث عن مصادر الطاقة، لأنها هي الحاجة الملحة، للحفاظ على الإستقرار السياسي والتوازن السكاني”.
كما نستدل من خلال هذا الكتاب الذي بين يدينا، فإن الباحث الأستاذ وليد نويهض، يبدو أكثرنا إهتماما في المراجعات الفكرية والثقافية. وفي وضع الخطوط العريضة لإكتشافاته المذهلة، بصيغ علمية، لا تراعي إلا الجدية المطلقة في وضع الخرائط التي إنتهجتها الثقافات، عبر تاريخها الطويل، وصولا إلى حاضرها اليومي، في هذا العصر البالغ الكثافة.
” هناك في أيامنا الكثير من “الإجتهادات”، أقرب إلى الرأي، وتختلط فيها أمور الدنيا بأمور الدين. وتتداخل فيها التحليلات السياسية مع قراءات متسرعة لبعض الكتب الموضوعة في التفسير أو الفقه”.

يقلب الأستاذ نويهض، أوراق الثقافةالعربية كلها، كما يقلب أحدنا أوراق الروزنامة. ويقرأ يومياتها. دون أن يعير إهتماما للأمكنة ولا للأزمنة، إلا بما تنطوي عليه من سطور ثقافية خاصة ومميزة. فيجعل التاريخ الحديث اليوم، عبارة عن كولاج ثقافي. كل سطر فيه، هو إضافة هامة على الخارطة الثقافية الحاضرة.
“بعد الأشعري جاء الإمام الغزالي، في نقد كتابات الفلاسفة. فهو إنطلق من القواعد النظرية التي وضعها الأشعري وطورها بإتجاه تفكيكها من الداخل. فالتفكيك كان وسيلة الغزالي في نقض أفكار الفلاسفة وتبيان تهافت مدارسهم وتعارضها. وأسهم منهج التفكيك في إطلاق نهضة فكرية لعبت دورها لاحقا، في إعادة إحياء علوم الدين”.
يعرف الأستاذ وليد نويهض، أن مبعث الثقافة العالمية عامة، إنما هو القلق الوجودي الذي يعيشه الإنسان. ولهذا نراه دائم البحث. دائم الإنشغال. دائم التفكير. دائم التجريب. وهذة الفصول التي نعددها، إنما إعتمدها الإنسان، ليخفف من وطأة القلق عليه. فلا يخفى علينا، أن الإنسان يعيش في قلق دائم. ولذلك فهو دائم الترحال إلى هذة الحقول، للعمل فيها كفلاح عتيق، من أجل مواجهة الغوامض، التي يخشى على نفسه منها.
” النظرة إلى الذات مهمة. ونقد الذات ضروري. والبحث عن عوامل ذاتية تسهم في توضيح بعض الغموض في جوانب الصورة مطلوب. إلا أن إقتصار القراءة التاريخية على العناصر الذاتية، ليس كافيا. ويؤدي إلى قصور في وعي المركب الذي يجمع مختلف الأسباب من ذاتية وموضوعية، للتوصل في النهاية إلى إستنتاجات تقارب الواقع، نن دون التطابق معه”.
يسافر وليد نويهض إلى الجهات كلها، يرصد المتغيرات كفلكي. ثم يعود إلى حقل عمله، لأجل التخفيف من شدة العواصف التي ربما تتصيده في الطريق. فالثقافة عنده، هي شباك الصائد، لتلقف المصائب، وإذابتها في أجران التجارب، حيث يتم فيها الفرز، وحيث يتم عزل النفيس عن الخسيس.
“إن مسألة الكراهية ليست هي أساس تقدم الغرب وتخلف العرب. فهذة كانت من تتاجاته اللاحقة. المسألة في النهاية لها صلة بالتاريخ والجغرافيا، وهي يمكن أن تحيلنا إلى الإجابة عن السؤال المذعور: كيف تقدم الغرب وتخلف العرب؟.”
كشوف الأستاذ وليد نويهض الثقافية، هي كما وضع اليد على الكنوز. يحفر عليها ويتحوطها بالعناية والدقة. ثم سرعان ما يجعل منها المداميك الحضارية، في الرؤيا العامة للإنسانية الشاملة.
“مثل كل الخلافات، إنقسم الفكر العربي، إلى تيارين كبيرين تفرعت عنهما،مدارس متعارضة، لكنها إتفقت على مسألة البحث عن الحقيقة ومصادرها الاولى ونهاياتها المفتوحة على كل الإحتمالات.”
فمن هذا المنظور وحده دون غيره، يحدب وليد نويهض، كباحث أركيولوجي، بالحفر في الطبقات كلها: أمكنة وأزمنة، ليستخرج القواعد العامة التي إنتهجها الحكماء والعلماء، في سبيل السير على النهج السليم، منذ أول التاريخ حتى اليوم. وهو يترصد النتائج الهامة التي وصلنا إليها، إن على مستوى الكشوفات، أو على مستوى الإختراعات. أو على مستوى الأحداث التي واجهناها.
” بسبب هذا الفوات الذهني تخلف الفقه عن قضايا العصر في قراءة الحاضر في وقت، كانت التطورات الدولية تضغط بإتجاه إنتاج أدوات تحليل، تلاحظ تراجع دور العوامل الداخلية، لمصلحة نمو تأثيرات العوامل الخارجية، على العناصر المحلية”.
مأزق الثقافة العربية، كما يراه الأستاذ وليد نويهض، هو القلق الدائم على المصير. قلق كياني، وقلق ثقافي. وقلق وجودي. ثلاثية مرهقة للإنسان العربي اليوم في ظروفه القاتلة التي يحييها اليوم، والتي هي بعض صنيعه الثقافي، على مدى العصور التي عاشها. وعلى مدى الظروف، التي غامر فيها. فكان له أن يصوغ القواعد العامة للتجربة الثقافية العربية المعاصرة. ويعبر من خلالها عن قلق الأسئلة الثقافية الدائمة.
“سؤال الحرية يطرح دائما إشكالية إحتكار الديمقراطية، وترجيح إحتمال نجاح القوى الإسلامية في المنافسة. وإقدامها لاحقا على منع تداول السلطة وغيرها من فرضيات تستبق ما يمكن أن تنتجه الوقائع الميدانية.”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
