الثقافة البيئية كتابا
أعظم حاجة للإنسان، أن يعيش في بيئة صالحة للعيش. ولا يكون ذلك إلا إذا إنتبه للتوازنات الطبيعية وحافظ عليها. وقديما قيل: الإنسان أبن بيئته. بمعنى آخر: إنه يرقى برقيها، ويشقى بشقاوتها. ولا تكون البيئة راقية ما لم يحافظ عليها الإنسان نفسه ويحميها من الإعتداءات ومن الكوارث الطبيعية قدر الإمكان. أما إهمال البيئة وإستنزافها وهدرها، وحمل الأسباب والمسببات الضارة إليها، فهذا لمما يجعلها في خطر وجودي. وفي خطر حياتي. تضر بحياة الإنسان وتجعله إنسانا مؤذيا لها، بقدر ما هو يؤذي نفسه بنفسه. فأذية الطبيعة والبيئة التي يعيش فيها الإنسان، إنما تنحدر به إلى صف التخلف، بدل أن يكون في صف الرقي و التقدم. وهذا هو المقياس الحقيقي الذي على أساس منه يتم تصنيف المجتمعات:
“ورش عمل وزارة البيئة بين عامي2022- 2024. مع الوزير الدكتور ناصر ياسين. تنسيق وإعداد حبيب معلوف. وزارة البيئة اللبنانية- مؤسسة هانز زايدل”.
يضم الكتاب ملخصات هامة لورش العمل التي تمت تحت إشراف وزارة البيئة في عهد الوزير السابق الدكتور ناصر ياسين. وعددها 22 ورشة عمل. وهي غنية في تنوعها. وفي أسماء المشاركين فيها. وقد تم تحرير هذا المصنف، بعناية الخبير البيئي الأستاذ حبيب معلوف.
على صفحة الغلاف الخارجي، إيجاز دقيق لمحتويات الكتاب:
“على مدى ما يقارب 3 سنوات، نظمت وزارة البيئة برعاية وزير البيئة الدكتور ناصر ياسين، سلسلة من ورش العمل في مختلف القضايا التي كانت تدور في فلك البيئة وتلك التي لم تكن تدور في فلكها. كان الهدف من هذة الورش أولا فتح باب الحوار بين صانعي السياسات والمفكرين البيئيين والتقنيين والأكاديميين والمجتمع المدني والحقوقيين والإعلاميين والإداريين والوزارات المختلفة ومراكز الأبحاث والدراسات والنقابات وأصحاب المهن والإقتصاديين والتجار والمزارعين والصناعيين والقوائم الطبية والمنظمات المحلية والدولية وممثلي القطاع الخاص… وكل من يتقاطع مع قضايا البيئة والحياة.
كما كان الهدف مناقشة مشاريع القوانين والمراسيم والقرارات قبل إبرامها أو تقييمها بعد تعثر تطبيقها. بالإضافة إلى محاولة إستشراف المشاكل والكوارث ومحاولة تجنبها.”
وعلى صفحة الغلاف أيضا: ” كان الهدف الرئيس أن تشكل هذة الورش تقليدا جديدا في وزارة البيئة تدرس وتقيم القرارات وفتح المجال للمشاركة في إتخاذ هذة القرارات مع أوسع شريحة من المهتمين والمتابعين وضمن إحترام قواعد حق الوصول إلى المعلومات والتداول بها والمشاركة في صناعتها.”
مهد الوزير ناصر ياسين للكتاب، منوها بأهمية وزارة البيئة كحقيبة حياتية و سيادية بإمتياز. وقال : إن الغرض من وضع هذا الكتاب للتداول، كي يتم الإستفادة من مواده ومن إستمزاج رأي أوسع شريحة ممكنة من المعنيين. منوها بوضع جميع الورش، خلال 3 سنوات في مكتبة الوزارة وبتصرف الوزراء والباحثين لحماية البيئة اللبنانية، التي تعتبر “أهم رأسمال عند اللبنانين للأجيال القادمة”.

أما منسق الكتاب، الأستاذ حبيب معلوف، فقد إنتهى في خواتيم المقدمة إلى القول:
” يحمل هذا الكتاب الخلاصات والمداولات والتوصيات،حول كثير من القضايا… لمراكمة التجارب والتقدم دائما لإنتاج لغة وفلسفة بيئية جديدة تحمي وتؤمن الإنسجام بين الإنسان والطبيعة، وتساهم في حفظ ديمومة الموارد وأسس الحياة”.
يضم هذا المؤلف الأكاديمي الرصين والجاد، مدونات وملخصات ل22 ورشة بيئية، تمت جميعها برعاية وحضور وزير البيئة الدكتور ناصر ياسين. وبمتابعة حثيثة من قبل الباحث البيئي الاستاذ حبيب معلوف.
الباحث البيئي الأستاذ حبيب معلوف
وأول الورش وقعت في 21 كانون الثاني2022، فجاءت تحت عنوان “الإعلام البيئي بين التخصص والإلتزام”. وقد تم تداول الخلفية التي دعت لهذة الورشة. والهدف منها. وأسماء المشاركين وملخصات مشاركاتهم. مقدما خلاصة لجلسة الإفتتاح والندوات التي تمت حولها والتوصيات التي إنتهت إليها.
أما سائر الورش، فقد جاءت تحت عناوين هامة للغاية. تتمثل كالتالي: تقييم قانون الصيد البري وإقتراح تعديله- أي تقييم بيئي إستراتيجي لسياسات المياه؟- الإطار الإسترتيجي والقانوني لتنظيم قطاع المقالع والكسارات والمرامل- الجدوى الإقتصادية من حسن إدارة النفايات- لماذا لم يطبق قانون النيابة العامة البيئية؟- السياحة البيئية بين وزارتي البيئة والسياحة… والأزمات- أية زراعة تؤمن الأمن الغذائي وتحمي المناخ؟- تنظيم إدارة المحميات وعلاقتها بالمجتمع المحلي والأزمات- الأمن الغذائي في لبنان في ظل التغيرات المناخية والإقليمية والدولية- الغذاء التقليدي صديق الأمن الغذائي والمناخ- أية كوارث مناخية ما بعد قمة شرم الشيخ- تلوث الهواء القاتل الصامت الأول في لبنان- كيف نتكيف مع الكوارث الطبيعية- حالة الإنهيار فرصة “الإقتصاد الدائري”- أية سياسات لإدارة سلامة المياه في ظل الأزمات؟- ما بعد الكوب 28: كيف نتحضر للكوارث المناخية-أية إدارة لمخلفات الطاقة المتجددة- كيف نتحضر لموجات حر قاتلة هذا الصيف؟ – مواجهة تغير المناخ: هل نخزن المياه سطحيا أم جوفيا؟ – أية مبادئ بيئية ووطنية لقطاع المقالع والكسارات؟- إتجاهات الكوارث المناخية ما بعد الكوب 29 في باكو.”
حقيقة، تمثل هذة الورش البيئية، قاعدة أساسية للعمل. وإن غالبتها حرب الإسناد، والحرب الإسرائيلية عليها وغلبتها. فأطاحت بكل الشرائع البيئية، في الجنوب وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي البقاع، وصولا إلى الهرمل وفي معظم القرى والمدن اللبنانية.
كان المطلوب أيضا، أن يتم تنظيم ورش بيئية أخرى، تعنى بأضرار الحروب وكيفية مساهمة الدولة و المجتمعات، في تجنبها. فجميع هذة الورش ما كانت تستطيع التنبيه، إلى الأضرار البيئية التي وقعت. ولو بصورة تحذيرية.
فنحن اليوم نقرأ الورش ال22 البيئية، نأسف لما وقع للبنان، في العامين ال 23 و 24. أي منذ عملية 7 أكتوبر- 2023 وحتى اليوم، حيث كانت الأضرار البيئية جسيمة للغاية، ولم تتنبه وزارة البيئة ولو لعقد ورشة عمل واحدة بشأنها، للتحذير من أخطارها. خصوصا وأنها كانت عظيمة الضرر عل البيئة، والحياة العمرانية وكذلك الحياة الزراعية والصناعية، وألحقت أذى لا يوصف، في الحقول والكروم والبيارات الساحلية.
ومع ذلك فالشكر كل الشكر، للمجهودات التي بذلت في هذة الورش التي ضمها هذا الكتاب النفيس، وهي هامة للغاية. لأنها تنبهنا إلى الأخطار البيئية في زمن السلم وهي كثيرة، كما ورد في هذا المصنف الرائع،ولو ندت عن البال، الأخطار البيئية في زمن الحروب والجحيم الذي نتج عنها، وألحق أذى عظيما في المواسم الزراعية كافة.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
