مكين عاصي والطفولة
البراعم الثرية
معظم الفلاسفة والمربين الأوائل، إنشغلوا بعالم الطفولة، بإعتبارها مدخلا لعالم الإنسان المرتجى: حيث النقاء والطهرية والحنو على البرعم الواعد بالثمر.
إبتدأ سقراط معلما في حدائق الأطفال، وتبعه في ذلك أفلوطون وأرسطو. إنشغلوا بالبراعم لأنهم نظروا إليها بعمق على أنها واعدة. كذلك كان دأب أدباء و فلاسفة عصر التنوير في فرنسا وفي إنكلترا. رأوا في حدائق الأطفال، مستقبل العلم والعالم. وكتبوا ونظروا وألفوا وجدوا، حتى عبدوا السبيل لمن جاء بعدهم، من الأجيال اللاحقة.
لا نستغرب أن الفلاسفة العرب والمسلمين، نهجوا النهج نفسه. ونظروا إلى ملاعب الطفولة، وغرسوا فيها النبل والخير والحرف والمعرفة. ولهذا كانت مدارسهم ذكية الطيب والأثر والرائحة. وإذ نذكر منهم، ذلك الأديب والمربي والفيلسوف الزرنوجي المغربي، فلأنه كا أول من وضع الكتب التي ترشد إلى حسن المدرسة وحسن التربية. بحيث عرف برجل التربية في عصره في القرن العاشر الميلادي. وقد فاق عطر مدرسته جميع الأرجاء، وعبر إلى البر الأندلسي وغرناطة، ومن هناك إلى كافة بلاد اللاتين، حيث غرفوا من كتبه قواعد التربية في حدائق الأطفال، وسيروها في جميع دور العلم عندهم، حتى إخترقت دياجير الظلمة في العصر الوسيط.
“مكين عاصي. مريم في المغرب. دار الحدائق”، إنما تغذ الخطى في عملها هذا على النهج الذي عرف لدى علماء التربية القديمة والحديثة. فهي تقرب اللغة من أفهام الطفولة. وتأخذها من وعيها بها. ولهذا نرى كيف تصوغ الأفكار في منابتها الأولية عند الأطفال، وتجعلها تتفتح، كما البراعم الواعدة.

تنشط الكاتبة مكين عاصي، لتقرب الجهات وتقرب المسافات. وتؤاخي بين براعم الطفولة، في الأوطان المتباعدة. وذلك عن طريق القص الجميل. فالحكاية هي أصل العلم وأصل التربية، وأصل النهوض بالوطن، إذا ما عرفنا كيف نعنى بالقص الحلو الجميل، الذي يعبر عن الخواطر والمهج البريئة بعفوية زائدة.
يحلو للكبير وللطفل الصغير، أن يتابع الأستاذة مكين عاصي في قصها. تأخذ الناحية فتجعلها مزهرة بالتيجان. وتأخذ الحكاية وتجعلها مليئة بالعبر والمعاني. وتأخذ اللغة فتفتقها، عروة بعد عروة، حتى تتفتح قمصانها.
ما أجمل هذا النسيج اللغوي الطفولي البريء الذي تصوغه الأستاذة مكين عاصي، وكأنها مربية عريقة، نهلت من ايد المربين والفلاسفة الكبار، كيف تدبر الحكاية وتجعلها في صيغة دمية ناطقة.
منحت الأستاذة مكين عاصي، أقصوصتها: “مريم في المغرب”، فضاء عظيما، تدرب فيه ريشة الرسامة الأستاذة لينا نداف على صنع الرسوم الجاذبة. ولهذا ترى الحوار قائما بين الأذن والعين، تصغي برهافة إلى الأقصوصة، وترى فيها المشاهد القائمة، في الأذن كما للتو في العين. وهذا توليف راق لعالم الأطفال، حتى يدعوا ما بأيديهم من الشاشات الصغيرة، ويعطفوا على القصص المدبج و المرسوم، برقي بارع للغاية.
أقصوصة مكين عاصي برسوم: لينا نداف، تجذب الأطفال وتجعلهم يتنقلون بين أقاصيصها وحكاياتها، وكأنها من نسيج قلوبهم التي تهفو دائما للجمال حيث يقع لهم. فهي ثرية للغاية في معانيها وظلالها ورسومها. وكذلك في تنضيد أوراقها.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
