كتبت ناريمان علوش* :
أحتاج لأن أرقص مع الشمس… أن أمدّ يدي إلى صدر السماء، وأقطف وحيًا تائهًا لم يجد مخيّلةً خضراء لينبت فيها…
أحتاج لأن ألتقي بحوريّات المعنى، وهنّ يتمشّين على حبلٍ ضوئيّ، يقتفين تأمّلات الشعراء، ويُغوين الطريق كي يضلّ عن وجهته، ويصل إلى قصيدةٍ مشتهاة…
أحتاج لأن أخلع عن الوقت عقاربه، وأعلّقها أقراطًا في أذني الغيم، وأن أُقنع الفصول بأنّ الربيع نبوءةٌ تنام في رحم الروح، وتستيقظ كلّما قبّلها الخيال…
أحتاج لأن أجلس مع الملائكة على شرفة المستحيل، نتقاسم خبز الدهشة، ونسكب في كؤوس الفراغ نبيذًا من نور، ونُعلّم الفراشات كيف تتهجّى أسماءها قبل أن تولد من اعترافات الورد…
أحتاج لأن أغتسل بماء المجاز، وأن أترك على ضفاف اللغة ثيابي التي أثقلتها المعاني المألوفة، وأمضي عاريةً إلّا من بتولتي الأولى، حين كنت أظنّ أنّ النجوم ثقوبٌ أحدثتها أصابع الله في ستارة الليل كي لا يختنق الكون بالعتمة…
أحتاج لأن أستعير من البحر ذاكرته، ومن القمر عزلته، ومن الشجر تلك القداسة التي تجعله يرفع يديه إلى السماء، فيما جذوره تتلو صلواتها في باطن الأرض…
أحتاج لأن أُصغي إلى صمت الأشياء، إلى تنهيدة حجرٍ لم يعثر على نحّاته، وإلى ارتجافة حرفٍ ظلّ قرونًا ينتظر فمًا طاهرًا ينطقه، وإلى صلاة عطرٍ هرب من وردةٍ ذابلة، بحثًا عن رئةٍ تؤمن بأنّ الجمال لا يموت…
أحتاج لأن أضيع قليلًا خارج حدود نفسي، أن أترك روحي تتسكّع في حدائق الغيب، تجمع من أكمام الملائكة بذور الطمأنينة، وتعود إليّ وفي يديها حفنةٌ من الأبد، وفي عينيها سماءٌ ثامنة على قيد الاحتمالات…
أحتاج إلى كلّ هذا، لأنّني كلّما ظننت أنّني انتهيت من الكتابة، سمعتُ جنين قصيدةٍ يطرق جدار روحي، ويطلب منّي أن أولد من جديد…
ناريمان علوش* (كاتبة وروائية وشاعرة لبنانية )
ناريمان علوش ( تصوير يوسف رقة )


