كتب د. محمد قاسم فقيه :
الفيلم السينمائي “القدّيسة فيرونيكا”،
تجربة فنيّة وروحيّة حملتني إلى حيث يتعانق الإيمان والمحبّة، وتتجلّى التضحية في أسمى معانيها، وحيث تصبح المحبّة فعل خلاص، ويغدو الإيمان قوةً قادرة على مواجهة العتمة، مهما اشتدّ الظلم وتكاثفت ظلاله.
في رحاب متحف الصابون في صيدا، حيث تتجاور ذاكرة المكان مع عبق التاريخ، كان اللقاء بالفنّ والإيمان لقاءً من نوع آخر، لقاءً تتحوّل فيه الصورة إلى رسالة، والمشهد إلى مساحة للتأمّل، والمحبّة إلى نور يتسرّب إلى أعماق الروح، مستحضرًا أسئلة الإنسان الأزليّة عن الخير والشّر، والوفاء والخيانة، والألم والرجاء.

يستعيد الفيلم سيرة القدّيسة فيرونيكا، مستندًا إلى تقنيّات سينمائيّة تتجاوز السرد الخطّي التقليدي. فمن الحاضر ينفتح المشهد على الماضي، في تقنية الاسترجاع التي تعيدنا إلى محطّات مؤلمة من التاريخ المقدّس، إلى خيانة يهوذا، واضطهاد السيّد المسيح، وصولًا إلى درب الآلام والصلب.
يبدو الماضي في الفيلم جرحًا إنسانيًا مفتوحًا، تتردّد أصداؤه في الحاضر، وتظلّ دلالاته حيّة في ضمير البشريّة.
ويوظّف العمل البناء الدائري، فتعود بعض المشاهد في نهايته لتضيء بدايته، كأنّ الحكاية، مهما ابتعدت في الزمن، لا تنفصل عن أصلها، والإنسان يظلّ مدعوًّا إلى مراجعة ذاته واستعادة المعنى الكامن خلف الأحداث. الدائرة هنا إيحاء باستمرار الأسئلة الإنسانيّة، وبأنّ المحبة، وإن حوصرت بالألم، قادرة على أن تجدّد حضورها وتستعيد إشراقها.
وبدا اختيار الممثلين موفّقًا في تجسيد الشخصيّات، ولا سيّما جوسلين جريس في دور القدّيسة فيرونيكا، وناريمان علّوش في دور مريم المجدليّة، فقد حمل الأداء ملامح من الصدق الوجداني، وأسهم في تقريب الشخصيّات من المشاهد، بعيدًا من الجمود الذي قد يفرضه استحضار شخصيّات تنتمي إلى زمن مقدّس. فبدت ناريمان علّوش، في شخصيّة مريم المجدلية، قريبةً من صورتها الإنسانيّة الراقية التي توحي بها رقّتها وحنانها وسموّ روحها، فالفنّ هنا يلتقي بالحياة، وتجد الشخصيّة في الممثلة صدىً من ملامحها الداخليّة، فتغدو أكثر قدرة على ملامسة الوجدان.

وجاءت العناصر التقنية لتكمل بناء التجربة السينمائية. فقد أسهمت المؤثّرات الصوتيّة في تكثيف أجواء التوتّر والانفعال، وإضفاء مسحة من الإثارة على المتلقّي، فيما عزّزت المؤثّرات البصريّة دلالات الصورة وعمّقت أثرها في المُشاهد. وهكذا تضافرت العناصر الفنيّة لتجعل المشهد حاملًا شحنة شعوريّة وفكريّة تتيح للمشاهد أن يتجاوز ظاهر الحكاية إلى ما تنطوي عليه من معانٍ إنسانيّة وروحيّة.
غير أنّ القيمة الأعمق لهذا العمل تكمن في استحضار حكاية من الماضي، وقدرته على فتح نافذة على حاضرنا، واستدعاء ما نفتقده في عالم تتنازعه الأزمات، وتثقل كاهله الصراعات، وتتّسع فيه المسافات بين الإنسان وأخيه الإنسان. فحين يستحضر الفيلم الألم والاضطهاد والتضحية، فإنّه يضعنا أمام مرآة ذواتنا، ويسائل قدرتنا على التعاطف مع المظلوم، والانحياز إلى الحقّ، وصون كرامة الإنسان، أيًّا كان انتماؤه أو معتقده.
المحبة التي يضيء عليها الفيلم موقفٌ أخلاقي، وشجاعة في مواجهة الظلم، ويدٌ تمتدّ إلى المتألّم حين ينفضّ الآخرون عنه. وهي، في هذا المعنى، ليست نقيض الإيمان، بل جوهره الإنساني النابض، إذ لا يكتمل الإيمان ما لم يتحوّل إلى رحمة، ولا تكتسب التضحية معناها الأسمى ما لم تكن دفاعًا عن الإنسان وحقّه في الحياة والكرامة.
من هنا، تكتسب الرسالة التي يحملها فيلم “القديسة فيرونيكا” راهنيّتها، فالماضي الذي يستحضره ليس بعيدًا من حاضرنا، والآلام التي يصوّرها ليست حكرًا على زمن دون آخر.

كم نحن اليوم بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار للمحبّة في عالم تضيق فيه مساحات التسامح، وإلى أن نمنح التعاطف مكانه الطبيعي في علاقاتنا، وأن ندرك أنّ الوقوف إلى جانب المظلوم واجب إنساني لا يسقط بالتقادم.
وفي زمن الانقسام، تصبح رسالة الفيلم دعوةً إلى الوحدة، بحسبانها اعترافًا بإنسانيّة الإنسان، واحترامًا لاختلافه، وإيمانًا بأنّ ما يجمع البشر من آلام وآمال أعمق ممّا يفرّقهم من انتماءات وخلافات. فالمحبّة لا تسأل عن هويّة الجرح قبل أن تضمّده، ولا عن اسم المظلوم قبل أن تنحاز إليه، إنّها ترى الإنسان أولًا، وتمنح كرامته الأولوية على كلّ اعتبار.
خرجتُ من هذا اللقاء الفنّي والروحي إلى فضاء التأمّل، فهذا الفيلم، يواصل عرضه في داخلنا، ويستدعي أسئلتنا، ويوقظ ضمائرنا، ويترك في الروح أثرًا لا تمحوه مغادرة قاعة العرض.
إنّ “القديسة فيرونيكا” ينتمي إلى نوع من الأعمال التي تؤكّد أنّ الفنّ، حين يصغي إلى نبض الإنسان ويستنير بالقيم النبيلة، يصبح أكثر من متعة بصرية، يصبح رسالة، وشهادة، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر، والإيمان بالفعل، والإنسان بأخيه الإنسان.
ما أحوجنا اليوم إلى نور المحبّة في عتمة الأزمات، وإلى صوت الرحمة وسط ضجيج الخصومات، وإلى إيمانٍ لا يكتفي بالتأمّل، بل يتجلّى في الموقف والعمل. فربّما كانت الخلاصات الكبرى التي تتركها الحكايات القديمة في نفوسنا هي أنّ العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأسوار، بل إلى قلوب قادرة على العبور، ولا إلى مزيد من الانقسام، بل إلى محبة تجعل من الاختلاف مساحةً للقاء، ومن الألم بدايةً للرجاء، ومن الإيمان طريقًا إلى إنسانيّة أرحب.
الكاتب محمد قاسم فقيه






