الجزائر – كتبت د. . وفاء مرزوق :
في كل مرة نفتح مجموعة شعرية لعبده وازن، نقف أمام سؤال غير اعتيادي، سؤال يثير الدهشة ويشعل شغف القارئ بالاحتمالات وباللعب بين التوازي والتقاطع والاستبدال. ما الذي يجعل نصًا نثريًا مطعّمًا بالشعر يتجاوز حدوده المعتادة، ويغدو فضاءً آخر يفتح أعيننا على المعنى واللامعنى معًا؟ وما الذي يميز الشعر تحديدًا، حتى يجعل اللغة قادرة على التشكّل في قوالب لا نهائية، على نحو لا يملكه إلا الشاعر حين يمنحها من هواجسه وأحلامه، فتبدو الكلمات كأنها تُكتب لأول مرة، لتتنفس بصدقٍ يتجاوز صاحبها نفسه؟
ربما تكمن الإجابة في تلك اللهفة المزروعة في قلب الشاعر، وفي أنفاسه التي تُبثّ في جسد اللغة، لتوقظها من سباتها، فتصبح كتابة ذات إيقاع داخلي خاص، قادرة على حمل التجربة الإنسانية بكل توتراتها، بين الحضور والغياب، بين الفرح والخذلان، بين الموت والحياة. الشعر عند عبده وازن ليس بنية لغوية فحسب، بل هو تجربة وجودية تستدعي فلسفة كاملة، وتطرح أسئلة عصيّة لا تنغلق على تأويل واحد.
الناقد والشاعر عبدو وازن
الرؤيا والإيحاء
من يقرأ مجموعته المختارة “ليس لنا هذا العالم” (دار المدى)، يدرك أن الشاعر بنى تجربته الشعرية على مدى عقدين كاملين، متدرجًا عبر محطات متباينة لكنها متصلة بخيط داخلي واحد. فقد جمع في هذا العمل خمس مجموعات شعرية أساسية: أبواب النوم (1996)، سراج الفتنة (2000)، نار العودة (2003)، حياة معطلة (2007)، وأخيرًا الأيام ليست لنودعها (2015).
هذه العناوين ليست مجرد واجهات جمالية، بل هي عتبات نصية تمثل مداخل فلسفية إلى عالم الشاعر، وتشي منذ البداية بأنها ليست مجموعات عابرة، بل أسئلة مؤجلة تنتظر قارئها لتعيد فتحها. فهي نصوص تحتفي بالهواجس والرؤى، بالغياب أكثر من الحضور، وبالمسكوت عنه أكثر من الظاهر. عند وازن، يصبح الشعر نافذة إلى اللامرئي، وإلى تلك المسافة التي تفصل بين ما نراه وما نشعر به.
يقول في نصه الشعري “قوس قزح” من مجموعة نار العودة:
عندما أغمض عيني
ينبثق قوس قزح
تحت القوس تندلع نافذة
أمام النافذة ترتفع شجرة
عيناي حين أغمضهما
أطل على بئر تسكنها الملائكة
وأعمق قليلًا
أبصر منارة الليل
ونهرًا يصعد صوب الغيوم.
هذا المقطع الشعري يكثّف فلسفة الرؤيا عند وازن، حيث يتحول الإغماض إلى فعل كشف، والغياب إلى حضور آخر، مختلف وأكثر شفافية. إنه يستحضر الغائب ليصير مرئيًا، ويحوّل المشهد البسيط إلى لوحة إيحائية تفيض بالرموز والانفتاح على احتمالات المعنى.
أسئلة الوجود: من النوم إلى العودة
إذا تأملنا المجموعات الشعرية الخمس التي تشكّل جسد تجربته، وجدنا أن كل واحدة منها تقترح زاوية جديدة للرؤية:
في أبواب النوم يفتتح وازن أسئلة الصحوة والضمير، حيث النوم ليس غيابًا عن العالم، بل بابًا نحو وعي آخر.
في سراج الفتنة نكتشف العمق الإيحائي والبحث عن نور يقود داخل العتمة.
في نار العودة تتجسّد ثيمة الغياب، وحنين لا ينطفئ إلى ما لن يعود.
في حياة معطلة يكتب ليل الأسئلة، حيث كل شيء يبدو متوقفًا، معلّقًا بين ما هو كائن وما لم يحدث بعد.
أما الأيام ليست لنودعها فهي مجموعة الوقت المهدور والثمار التي لا تُقطف، لكنها أيضًا كتابة التعلّق بالحياة في وجه موتٍ يتربص بكل شيء.
هذه المراحل ليست منعزلة، بل هي رحلة واحدة ذات طبقات، تكشف أن الشاعر لا يتعامل مع الشعر كفن جمالي فقط، بل كوسيلة لفهم وجوده الشخصي والإنساني.
فلسفة الغياب والعبث
من أبرز سمات تجربة وازن احتفاؤه بالغياب والعبث كجزء من نسيج العالم. ففي نص “احتضار” من مجموعة حياة معطلة، نقرأ:
الرجل الذي أغمض عينيه
لم يأسف على المزهرية
التي تركها على الطاولة
عندما غشى الضباب وجهه
نظر إلى النافذة
لم يطلب ماء
ولا وردة.
الغياب هنا ليس حدثًا عابرًا، بل مشهدية شعرية مكثفة، حيث يُختزل الوجود كله في حركة بسيطة، محايدة، كأنها تقول إن النهاية لا تحتاج إلى طقوس.
وفي نص “ألم” من المجموعة نفسها، يواجه القارئ بتساؤل وجودي قاسٍ:
لماذا كل هذا الألم
ما دامت الحياة ستنتهي يومًا
على منحدر
أو في كتاب…
هنا يتجلى سؤال العبث في أوضح صوره، ما جدوى الألم إذا كانت النهاية حتمية؟ أليس كل شيء مجرد لعبة وجودية بلا معنى؟
وقد وصفت الناقدة السورية خالدة سعيد هذه التجربة بدقة حين قالت عن حياة معطلة: “كأن الشاعر يرسم بلمسة تتكرر لتنقلب في اللحظة الأخيرة للفرشاة، لتكشف العبث وخلل الدرب نحو المعنى”. فالشعرعنده يشبه لعبة استغماية مع المعنى، حيث الغياب يصبح شكلًا آخر للحضور. ويؤكد وازن ذلك في نصه القصير “عبث” من الأيام ليست لنودعها:
وجدني ظلي
أما أنا فلا.
الصورة هنا قائمة على الانفصال بين الذات وظلها، بين الحضور والغياب، وكأن الكائن البشري محكوم دائمًا بأن يعيش نصفه فقط، فيما النصف الآخر يتسرّب إلى المجهول.
الشعر كلوحة فلسفية
لا تُقرأ نصوص عبده وازن الشعرية كحكايات أو سرديات متكاملة، بل كلَوحـات مفتوحة على التأمل. لغته ليست وصفية بقدر ما هي استعارية، إشاراتية، ومشحونة بالإيحاء. في كثير من كتاباته، يطل القارئ على مشهد مشبع بالرمزية، المرآة، الظل، النافذة، البئر، الطيف، الفراشة، الجنائز… كلها عناصر تتكرر لتؤسس عالمًا شعريًا ذا طابع خاص.
الجنائز، مثلًا، تتحول في حياة معطلة إلى نصوص تستبطن الموت بوصفه جزءًا من نسيج الحياة اليومية، لكن دون الوقوع في التقريرية. الموت عند وازن ليس نهاية، بل مرآة تكشف الحياة ذاتها.
جدل الحياة والموت
ورغم الحضور الطاغي للغياب، لا يستسلم الشاعر لفكرة الفقد وحدها، بل يمد يده دومًا نحو الحياة. في نص “حافة عالية” من الأيام ليست لنودعها، يقول:
حياتنا المنسية في مزهرية
الأكثر عزلة من موت
أقول هذه حياتي مسكوبة أمامك
هذه حياتك كما لم أعشها…
هنا يضع الحياة على الحافة، بين العزلة والموت، لكنها مع ذلك حياة جديرة بأن تُعاش. إنه يواجه عبثية الكون بالتشبث بلحظة الوجود، حتى لو كانت لحظة هشّة.
بل يذهب وازن أبعد من ذلك، فيغوي الحياة ويغازلها كما لو كانت امرأة عصيّة المنال. يتجلى ذلك في نصه المطوّل “النائمة”، حيث يعيد تكرار العبارة بتصعيد موسيقي يشي بالوله والافتتان:
الجميلة النائمة
التي ستظل جميلة نائمة
التي ستظل جميلة
التي ستظل نائمة.
ثورة الأسئلة
تكاد كل نصوص وازن تكون مشبعة بالأسئلة، لكنها ليست أسئلة مباشرة تنتظر جوابًا، بل أسئلة مفتوحة تحرّض القارئ على التفكير والتأمل. ففي نص “سؤال”، يكتب:
ما يجعل الوردة غامضة
ليس رحيقها المنبثق من عدم
ولا صوتها الذي لا يُسمع
ولا ارتجافها الخافت
الوردة غامضة
لأن لا سؤال لها.
المفارقة هنا أن الوردة، برمزيتها التقليدية للجمال، ليست غامضة لأنها غنية بالدلالات، بل لأنها بلا سؤال. كأن الشاعر يريد القول إن الأسئلة هي ما يمنح المعنى للحياة، وإن غياب السؤال هو الوجه الآخر للموت.
قد تكمن الخلاصة في أن ما يميز عبده وازن هو أنه جعل من الشعر مختبرًا فلسفيًا وجماليًا في آن واحد. فهو شاعر الأسئلة الوجودية بامتياز، شاعر الغياب والحضور، شاعر العبث والبحث المستمر عن معنى لا يُقبض عليه.
لقد تمكّن عبر مجموعاته الشعرية من بناء تجربة متماسكة، قوامها لغة مشبعة بالإيحاء والرمزية، وجدَل فلسفي بين الحياة والموت، وتجربة إنسانية تحاكي القلق واللايقين، بأسلوب مشهدي يجعل النص لوحة مفتوحة.
في النهاية، يمكن القول إن عبده وازن ليس شاعرًا يبحث عن اليقين، بل شاعر يفتّش عن الحيرة، ويحوّل الأسئلة إلى كتابة، والغياب إلى حضور، واللغة إلى أفق يتجاوز حدود العالم. ولعل هذا ما يجعل نصوصه تظل حيّة، قادرة على ملامسة القارئ في كل مرة تُقرأ فيها من جديد.
د. وفاء مرزوق ( الجزائر )







