طراد حمادة ديوانًا
حمى الشوق
في “الأسفار والتحولات” *
“كل القصائد التي لم يسعفني/ الوقت لكتابتها…/ أرسلها بدوري لك/ لتدخل من نافذة العشق/ وتنزل في كتاب ليلك…”
الشعر باب العشق، تماما مثلما العشق باب الشعر. هذا التوحد بين البابين، لم يبرحه الشعراء. لم يبرحه الإنسان. في القديم كان الشعر والعشق، متعاشقين.
معالي الدكتور طراد حمادة، لم يند بدوره عن ذلك. كان ولا يزال يحمل في ذاته جذوة الشعر والعشق، وهما عنده من رحم أم واحدة: هي النفس الإنسانية. يدور بشعلة الشعر من زاوية إلى زاوية. يريد أن ينير الزوايا كلها. خصوصا منها، تلك المتقعرة في مرآة ذاته. تلك التي برحتها “الأسفار والتحولات”، طيلة أكثر من نصف قرن ونيف.
“الليل النهار
في وحدتي
ما يشغل النفس
تأملت الجدار
تحدثت مع الأشجار
في البستان
كتبت إلى زرياب
قصة عزلتي
ما كان يقدر أن يغني
قلت هوميروس شيخ الشعر
يفصح عن حنيني…”
يتحرى الشاعر طراد حمادة درب الشعر. يقرأ الحروف والربوات والبوادي. ثم يجلس، يستريح على صخرة الزمن. يتلو عليها قصة حب، لا تزال خيطانها، تكر خلف خطاه التي يستحثها، وهو في طريقه إلى العلا. فلا تشغله الدنيا، بقدر ما يشغله الشعر والعشق. أو قل: العشق والشعر.
” دعوت الشعراء المنشدين
الجوالين المحظوظين
المنذورين
لوصف جمالك
قالوا: لا شغل لنا في الوصف
ولكن نغزل في العشق
ونرسم صورا للمعشوق..”
يروح الشاعر في الزمن، يقتطف ورود الشعر، ويصنع لعرائسه تيجانا. فعرائس الشعر عنده خالدة لا يجري عليها الزمن. ولا يغير شيئا من عاداتها. تنهض مع الشمس. فإذا ما غابت عند الغروب، أخذت مكانها، لتضيء جميع القلوب التي أتعبها الشوق.
شاعر عرف كيف يهز شجرة الشعر، فيسقط التفاح على ركبتيها، تجعله لآدم طعما، في موجة حب، بل في عاصفة عشق قادمة.
“مالت الشمس وأكملت مسيري
قبلتي عزم الوصول إلى حلب
قلت ما فيها يقرر لي مصيري….
يرتدي مهيار قناع أسفاره
ثم يمضي إلى المدن البعيدة
يدور في حاراتها
ويسوح في أسواقها….”
طراد حمادة، واحد من الشعراء القلائل الذين أقلقهم الشعر. صار يداوي جراحه به. ينام ويستيقظ على بابه، كأنه أخا مظلمة من أول التاريخ، لآخره. ما همه أن تجري الكواكب، أو تستأخر ساعاتها. كأن قصته واحدة. ليلة مع الشعر. والسؤال: لمن يكون نهاره. وهو الذي يعتد، أن النهار فتى أحلامه كلها.
” أيتها السماء
كيف يكشفك الصيف ويحجبك الشتاء
كان ثوبها خيطا من النور
نسجا من شجرة الحرير
الجمال صورة رسام العصر
يوزع الألوان على قميص الحسناء
أصدق
ما سمعته عنك
ما قالته عيناك…”
الشاعر د. طراد حمادة ( تصوير : يوسف رقة )
طريد الحب، طراد حمادة. يشرع ثوبه للريح، ثم يجري وراءه، كما سفين، لا تقف في وجهه الرواسي، مهما كانت المراسي بعيدة عن عينيه. يؤوب حتما إليها. يحلم بالليلة القادمة: هل تقر بها عيناه.
“في أعماق الغابة
ثمة أشجار
لا تغسلها حتى الأمطار
وفي الحب، أوقات لا حصر لها: تمضي دون أثر
كأنما لم يتركها وقت… يتسلى الرجل في حديث المرأة
وينسى حكايتها
ولا يذكر منها
غير ما يذكره شاهد صورة
في مرآة…”
الشعر عند الدكتور طراد حماده، قريض العشق. قريض الحب. هو الرواية. وهو الباب لعالم يتفتح كل شفق على يوم جديد. تراه يعالج أيامه بمائه. يغسل الينابيع صباح مساء، حتى لا يدعها تترقرق، إلا وهي صافية كعين الديك، قبل صياحه. يغامر في الآماسي. يجالس ذئاب الحب. يتخطف منهم القلوب الطرية. يتعهدها أن تعود كعادتها، تليق بالشعر. فالشاعر لا يأنس إلا بالقوافي القلقة. ولا يخشى إلا عليها، من نبال الغدر بها.
” لا تسأل أحدا عن العشق
لا يجلب الحب السؤال
يختار قلبك من يشاء
ليس في النبض منطق اليونان…
فإذا وقعت على الجمال
عرفت من أين يأتيك الجمال…”
طراد حمادة شاعر الحرية المطلقة. يراها كعروس أحلامه. تكون حيث يكون. ولا يعرف فيها، إلا شعلة النور، وقمصان الورود. وهتافات العصافير المغردة.
“الحرية
إختيار المكان
منزلا
والزمان
جملا
الحرية
أن تكون
حيثما تريد أن تكون
وأن ترى
أين تسرح العيون
الحرية
الوجود
حين يكون عاشقا
حرية الوجود
الحرية فطرة القيم
تبنى على أركانها الأمم
دع مساحة الحرية
مثل مساحة السماء.”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
*( ديوان ” الأسفار والتحولات ” للشاعر د. طراد حمادة صدر حديثا عن منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحاده )
د. قصيّ الحسين







