“جبيل تحتفي بالأديب والشَّاعر الدُّكتور سهيل مطر في أمسية تكريميَّة حاشدة”
( ” ميزان الزمان” الأدبي – نقلا عن وكالات ومواقع ثقافية وإعلامية ) :
في أمسيةٍ ثقافيَّة بامتياز، تَألَّقت مدينة جبيل مساء السَّبت 29 آذار 2025 بوهج الفكر والكلمة، إذ نظَّمت اللَّجنة الأدبيَّة في المجلس الثَّقافيّ في بلاد جبيل احتفالًا تكريميًّا بالأديب والشَّاعر الدُّكتور سهيل مطر، تقديرًا لمسيرته الحافلة بالعطاء الفكريّ، التَّربويّ والثَّقافيّ، وسط حضورٍ ضمَّ نخبة من الشَّخصيَّات الدِّينيَّة، الأكاديميَّة، السِّياسيَّة والإعلاميَّة.

تقدَّم الحضور سيادة المطران ميشال عون، راعي أبرشيَّة جبيل المارونيَّة، سيادة المطران بولس روحانا، راعي أبرشيَّة صربا المارونيَّة، سيادة المطران منير خيرالله، راعي أبرشيَّة البترون المارونيَّة، الأباتي هادي محفوظ، الرَّئيس العامّ للرَّهبنة اللُّبنانيَّة المارونيَّة، الأباتي إدمون رزق، الرَّئيس العامّ للرَّهبنة المارونيَّة المريميَّة، الأب البروفسُّور جورج حبيقة، النَّائب العامّ للرَّهبنة اللُّبنانيَّة المارونيَّة، الأباتي بطرس طربيه، الأب الدُّكتور وليد موسى، الرَّئيس السَّابق لجامعة سيّدة اللّويزة ورابطة جامعات لبنان، بالإضافة إلى النُّوَّاب: نعمة افرام، سيمون أبي رميا، ملحم خلف، الوزير السّابق زياد بارود، النَّائب السَّابق الشَّاعر غسَّان مطر، السَّفير البروفسور خليل كرم، رئيس الرَّابطة المارونيَّة، الأب الدُّكتور سيمون عبُّود، رئيس أنطش مار يوحنَّا مرقس جبيل، نَقيب محرّري الصحافة اللبنانية جوزيف القصَّيفي ، الدُّكتور روني أبي نخله، رئيس الجامعة اللُّبنانيَّة الكنديَّة، الدُّكتورة ماريانا عضيمي، رئيسة الجامعة اللُّبنانيَّة الألمانيَّة، كما حضر عدد كبير من الأدباء، المثقَّفين، الأكاديميِّين، التَّربويِّين، الإعلاميِّين ورجال الدِّين ورؤساء بلديَّات عدَّة، ممَّا أضفى على الحفل بعدًا ثقافيًّا متميّزًا.

.

.

برنامج الحفل
أدارت الأمسية الدُّكتورة رحاب الحلو، منسّقة اللَّجنة الأدبيَّة في المجلس الثَّقافيّ في بلاد جبيل، حيث استهلَّت اللِّقاء بكلمة ترحيبيَّة أبرزت فيها الدَّور الرِّياديّ للمحتفى به في إعلاء شأن الفكر والثَّقافة.
د. رحاب الحلو
من كلمة د. رحاب الحلو :
( … ) أصدقاء الأديب سهيل مطر ، أهلا وسهلا بكم ..
نجتمع الليلة لنلتمس بعض الفرح ، تقاسيم على مقام الربيع ، فنحتفي مع كوكبة من مبدعي لبنان بالمربي والأكاديمي والأديب والشاعر المبدع د. سهيل مطر .
تحية لمسيرته الإنسانية والتربوية والأكاديمية ، وتحية لمؤلفاته الأدبية والشعرية ، نمشي وراءها من القلب إلى القلب ، لترفرف كعصفورة فوق دير مار عبدا ومدرسة ميفوق ومدرسة البترون والجامعة اللبنانية وكنيسة مار شليطا وكنيسة سيدة النور ، بحثا عن الصبا والجمال .
نبحث في وهج حروف أبياته عن الجواهر وسطور كتبه عن أصالة بيت تنورين العتيقة ، عن الحلم والحقيقة ، وبينهما جامعة سبدة اللويزة ، فنستذكر ليالي لبنان الملاح ، فأهلا وسهلا بكم
( …. )

تبعتها كلمات أشادت بمسيرة المحتفى به، منها كلمة المجلس الثَّقافيّ الَّتي ألقاها الدُّكتور نوفل نوفل.
كلمة د. نوفل يوسف نوفل :
سيداتي سادتي
سهيل مطر : هو السهل الممتنع والتائه كالمطر ما بين المساحات والحدود كما يقول هو بكتباته وقصائده واناقته ودليلنا على ذلك ما باح به سراً من عقله وقلبه بمؤلفاته
نبدأ مع كتاب الاخطل الصغير وصراعه بين حدي التقليد والحداثة وننتقل الى كتابه مطارح وسهيل عالقاً ما بين الزمان والمكان .. اما في كتابه اين انت نزار فكان واقفا بين الحياة والموت وعندما اراد ان يكتشف ذاته بذاته وبعيونه كتب عفواً … هذا انا وكأنه اراد ان
يتشارك معنا ويدعونا لنتعرف عليه ونعرف اكثر عنه ونكتفى بهذا القدر . اما نحن كيف نرى سهيل مطر بعيوننا وعقولنا وقلوبنا,إنه ذاك العاشق التانيه بين حدي داء الحب ودواء المحبة.
نلتقي الليلة
أمير الكلام وسيد المقام !
رأسه ، خزان معرفة وعلم وثقافة !
قلبه ، نبع محبة وصدق وحنان !
ضميره ، مسكن لله و وسادة لراحة البال !
أما اسمه ، فَيَختَصِرُ كُلَّ الألقاب !
سهيل مطر ، مسا الخير ! يا رجل
ايها الاحباء
سهيل مطر ، حيث عمل وحل :
نشر عطر ثقافته !
وأريج محبته !
وعبير وطنيته !
وبخور إيمانِه !
سهيل مطر ، الأديب والشاعر :
ميزان كلماته كميزان الجوهرجي !
في رسالته التربوية :
جمع المعرفة الى القيم ، والعلم الى الإنسانية !
فهو المعلم الرسول
في الشأن العام : مفكر وطني !
صاحب قضية !
صلب في مواقفه!
واضح في تحليله !
له رؤية مستقبلية !
د.نوفل نوفل
وأضاف الدكتور نوفل القول :
في الحب الصادق:
هو الحبيب الذي يجد الحياة
وهي الحبيبة التي تمتلكها … ثُمّ
غابت الحبيبة فبقي الحبُّ مع الحزن والألم !
وبقيت أنا ، أتذكر عُمر المختار ، كيف بكى ، عندما رحلت زوجته … فسألوه ما يُبكيك ؟
أجاب : كنتُ كُلّما عُدت من معاركي ، كانت ترفع لي باب الخيمة ،
وعندما أسألها ، لماذا تفعلين ذلك ؟
كانت تقول : حتى لا تنحني إلا لله !
كانت تريدني شامخاً لا أهاب الأعداء !
العظيمات يصنعن العظماء !
سهيل مطر !
في زمن ، بعض الناس :
فلوسهم أغلى من نفوسهم !
قُبَعاتُهُم أغلى من رؤوسهم !
بعضُهم له ثمن !
سهيل مطر ، له قيمة ، وقيمَتُهُ لا تُقدر بثمن !
فباسم المجلس الثقافي في بلاد جبيل وباسم رئيسه الاستاذ توفيق صفير ، اللية ، نُقرّ ونعترف :
إن تكريم سهيل مطر ، يَجْعَلُ المُكرمين … مُكَرّمين
شكراً
د. نوفل نوفل 29اذار 2025

ثمَّ قدَّم الفنَّان القدير النَّقيب جهاد الأطرش قراءات شعريَّة مختارة من أعمال سهيل مطر.
من كلمة الفنان جهاد الأطرش :
سهيل مطر ، يا صاحب الحب الكبير ، كم هو عظيم هذا الحب لعينيها حتى يتحوّل إلى كل شيء ، وينصهر في كل شيء ، في الربيع ، في الورد ، في الزهر ، في الألم والوجع والانكسار ، وحتى في الوطن .
١نكسار القلب ، انكسار الفكر المبدع ، مثل انكسار المرآة ، تتمزق الصورة ، تتشوه الملامح . هكذا وصف لي هنري زغيب انكساره برحيل وحيده . وقال مرسيل خليفة ” الموت يا أختي ، لا يقدر على مصادرة حق الحب ، يفترِقُ العشاق ويبقى الحب “.
ولا شك هكذا يئن ويتألم جورج خباز وعبد الحليم كركلا ، عندما ينكسر الابداع .
وأنت يا صديقي ، انكسر حبك الكبير لعينيها ، وغرقت فيهما ، في عيني لينا ، وهي الوطن .

سأقرأ شعرك يا سهيل وأفرح ، كما تفرح الأرض العطشى لهطول المطر :
( إشراقة في ظلال عينيها )
-١-
في مذبحة الروح ،
حيث الضمائر كوابيس عاصفة ،
حيث الدم لا لون له ولا قضية ،
حيث الكلمات ، رخيصة ، رخيصة ، رخيصة ،
أتطلع إليكِ أصيلة كصور
حلوة كوطن مهجور ،
أضمك عميقة كقربان،
صامتة كجرح صولجان ،
أسافر نحوكِ ، عرسا ، عيدا ، هدايا ،
أسحَقُ فيّ الخطايا،
أشرب عينيك نهد نبيذ ،
أغرق في مهرجانٍ لذيذ ،
وأكابر ،
آه يا وجعي الزاهر ،
كم أقامر وأكابر وأسافر .
…..
في مذبحة الروح ،
حيث القمر ينام حزينا ،
حيث الأطفال يخافون ” بابا نويل ” وهداياه الملغومة ،
حيث يسوع – أي يسوع ؟ – لا مزود له ولا مغارة ،
حيث مريم مخطوفة البكارة والطهارة ،
حيث الميلاد ، جمعة عظيمة ، وصلبان على الشاطئ ،
حيث البحر الهادئ يتلوى تحت أقدامٍ اللئيمة .
أسافر… نحوك
على حصان أخضر ،
أعيش عرسك في قاع الليل والمرارة
أحياكِ
سيف نبل وبراءة
أعانق فيكِ
المستقبل وأمي ،
أمحو ، بلون عينيك
خطاياي،
أتناول بشفتيكِ ،
قربانا مقدسا ،
أتطهر بجسدك
يتحول الوجع إلى عيد
ومن جديد
تغدو المذبحة عرسا
وأصلي ..
….
من عتمة الحرائق السوداء
أناديكِ
من الفجيعة ، أصرخ إليك ،
على مطل السنة الجديدة
أهمس لك ، وبوجه العالم :
أحبك .. أحبك ..
عيناك لونهما طفولة ،
طعم فمك ,
رائحة قمح وأرزٍ وأرض ،
أنفك ، ترفُّعُ الآلهة
قوامك ، خريطة حب لوطن الحب
شفتاك قصيدة كبرياء
شعرك الأسود
معطف وملجأ
عنقك … صلاة
تعالي نهرب
فأنت صغيرة
وأنا صغير
وعالمنا ليس من هذا العالم
( …..)
الفنان جهاد الأطرش
أعقبتها مداخلات لكلٍّ من الأديبة المهندسة ميراي شحاده الحدَّاد، رئيسة منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثَّقافيّ، الفنَّان جورج خبَّاز، الأخت مارانا سعد، رئيسة معهد فيلوكاليَّا، والفنَّان مرسيل خليفة.
الشاعرة والمهندسة ميراي شحاده حداد
كلمة الشاعرة والمهندسة
ميراي شحاده حداد
كل التحايا العطرة لكم أيّها الحضور الكريم
والشكر الوارف للمجلس الثقافي في بلاد جبيل وأخصّ اللجنة الأدبيّة، رئاسةً وتنسيقًا، لدعوتنا إلى هذا العرس الثقافي وهذا التكريم المستحِقّ.
كلّي غبطةٌ وسعادة أنّني أقف في حضرة المعلّم وجذورُ سنديانه العتيق وترابِه العريق تُشعِلُ في قلمي المُتواضع دوائر النور وزفّة المواويل.
ما عرَفْته من زمن بعيد، ولا كنت من تلامذته النُّجباء ولا من ملائكة شياطين لقاءاته الأدبيّة… لكنّ وصالَ الروح، جامحةٌ دواليه إلى هذا المعلّم الكبير، إلى اعتناق الإنسان في سُبحة قلمه الطاهر، فإذ نطقَ بالحبّ من محراب دواته، أذّن وِرد مشاعره في سحريّة يوم أحد وصلّى الجمعة في طواف شعانينه من نخلٍ وزيتون وقبلٍ من ورد وشهد.
نُسائلُ الأمجادَ عنه، في ليلة سبت من مسرّات آذار تَثِبُ فيها عقارب الساعة بعد قليل، ساعةً إلى الأمام وتثب معها القلوب قلمًا قلمًا إلى عناقك أيّها الراعي المثقلِ بالضوء، والممتلئ نعمة وتواضعًا.
سهيل مطر، إذ تكلّم تأتيكَ كلمتُه من علو، من فوق…كالمطر! من يُرهِفُ الخلدَ سَمْعًا ويُشعِلُ في الماء طربًا ويَهزّ في حنايا الصدر أسرارًا.

أنظروه، وغمّازتان على الوجنتين تفترُّ منهما يراعاتٌ من نار وفراشاتٌ من نور، إن تبسّم لك أدركتَ روض طفولته وما استطعت إلّا الذَّوبان في كون أسحار والتنسّمَ بين خمائله في مراكب العُطور.
أنظروه، وجبينٌ يعلوه رويُّ شَعر أبيض ونقاءُ شعور! تتوسّده أراجيحُ السنا وضفائرُ من ذهب السطور…هذا الذي حمل في حقائبه أرزَ تنورين وأسرارَ الصخر وعري البراري، هذا الذي ارتعشَت في ناياته التلالُ العذارى وخضرُ المراعي، به يحلو الأدبُ وتخضوضرُ المحافل وفيه من ملاحم القيمِ وموائل الجمال ما يبرعمُ الربيعَ في ثُغور الزهور.
وإن سطع نجم سهيل، يسألك “يا رجل… في حبّ اليوم أو غضب !!! تُجيبه بكل حبّ مغمَّسٍ من حبّات مسبحته اللازورديّة: في حبّ يا أستاذ سهيل! وهل غيرُك يا نجيّ القلم يعلمُ كيف يزيحُ الصخرةَ عن مقابر أفراحنا؟
حيرتُك إبداعٌ يا سيدي، وأسئلتك الوجوديّة، إن جالسناكَ، معرفةٌ واكتمال ومنهجك ترنسندنتالي يعلو بنا إلى الكون الأوسع…. إلى التوشُّح بمغازل النور والفرح الإلهي، إلى ذلك اللامحدود، فوق عرش الغمام وذروة مجرّات الإنسانيّة.
تراث وحداثة وإبداع، والأهم والأسمى والأنقى، هو حضنُ أبٍ وحصنُ مربٍّ ومسيرةُ إمام… من عينيه تضوعُ أزاهيرُ عمرٍ وشذا بها الأقاحي تعتمرُ!
فكيف لي يا سادة، في الحديث عنه أن أختصر؟
عذرًا من خدر الأبجديَّة ومن قدموسك يا جبيل وأرقامِكَ يا خوارزمي… فالحروف الخزامى لن تفيَ الليلةَ هذا القمر!
وما كلّ ما أثمرَ من راحتيه في سماء الأدب من خفر …
أنتَ الريحُ، تعصفُ في وهن البشر، وأنتَ الأرضُ ثراكَ آياتٌ وسُوَر!
تُدرك كيف من وراءِ الغيبِ، تستلُّ عنب السمر… وتبسُمُ من عرشِ بيانِك، بُردتُك الحبُّ، يا سهيل النجم والمطر!
همسُك تحنانٌ وفي الحوارِ، كأسُ خمرٍ فيها دواليكَ تُعتَصَر
ينتشي في قلمك الإزميل فينطِق فينا الحجر…
هل درى، منذ أعوامٍ، من سمّاك سهيل أنّك النجم الذي يبشّر بالخير والمطر!
هي الفُسيفساء من نورك طرّزْتَها يومًا
إلى لِنَا، لنلون: “آخر الكلماتِ: أحبّكِ!” ولكَ في هذه العشيّة نرفعُها صلاة وبخّورًا:وأختمُ بها:
أوّلُ الكلمات: نحبّك وآخرُها نحبّك… وها قد شاع الخبر!
ومع كلّ نبض حرف من حُروف الأبجديّة نحبّك، ومع كلّ حبّة من مسبحة الوجود نحبّك سهيل مطر إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين. آمين !

كلمة الأخت د. مارانا سعد :
مَسَاءُ الخَيْرِ،
نَلْتَقِي فِي الحَيَاةِ بِأَشْخَاصٍ كَثِيرِينَ، نُنْصِتُ إِلَيْهِمْ، نَتَأَمَّلُ كَلِمَاتِهِمْ، وَنَسْأَلُ أَنْفُسَنَا إِنْ كَانُوا شُعَرَاء. وَلَكِنْ، هُنَاكَ آخَرُونَ، لَا نَحْتَاجُ إِلَى السُّؤَالِ عَنْهُمْ، لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِهِمْ وَحْدَهَا تُؤَكِّدُ لَنَا أَنَّهُمْ شُعَرَاء، كَيْفَ لَا، وَ”الْإِنَاءُ يَنْضَحُ بِمَا فِيهِ”! وَهَكَذَا هُوَ الْأُسْتَاذُ سُهَيْل مَطَر، شَاعِرٌ فِي حُضُورِهِ كَمَا فِي حَرْفِهِ، فِي فِكْرِهِ كَمَا فِي قَلْبِهِ.
أَنَا سَعِيدَةٌ اليَوْمَ بِهَذَا اللِّقَاءِ، وَمُتَشَرِّفَةٌ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي تَكْرِيمِ إِنْسَانٍ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَادِيًّا، فَصَارَ مُتَمَيِّزًا. فَكَمَا قَالَ غَانْدِي: “كُنْ أَنْتَ التَّغْيِيرَ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَرَاهُ فِي العَالَمِ.” وَهَذَا مَا فَعَلَهُ سُهَيْلٌ، فَهُوَ لَمْ يَسْعَ إِلَى التَّمَيُّزِ، لَكِنَّهُ كَانَ اسْتِثْنَائِيًّا فِي بَسَاطَتِهِ.
تَعَرَّفْتُ عَلَى الْأُسْتَاذ سُهَيْل لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مِنْ خِلَالِ شِعْرِهِ، عِنْدَمَا غَنَّيْنَا لَهُ تَرَاتِيلَ عَدِيدَةً. ثُمَّ جَمَعَتْنَا جربتا فِي زَمَنِ تَقْدِيسِ رَفْقَا، حَيْثُ احْتَفَلْنَا مَعًا بِهَذَا الوَجْهِ الْأُنْثَوِيِّ الْجَمِيلِ لِلُبْنَانَ، فِي حَفَلَاتٍ مُوسِيقِيَّةٍ حَمَلَتْ أَشْعَارَهُ، خَاصَّةً مَعَ جُومَانَا مَدَوَّرَ وَجُوزِيفَ خَلِيفَةَ. وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ، الْتَقَيْنَا مُجَدَّدًا فِي جَامِعَةِ سيدة اللُّوَيْزَةِ خِلَالَ عَرْضِ مَسْرَحِيَّةِ “رَفْقَا”، مِنْ كِتَابَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُبْدِعِ جُورْجِ خَبَّاز، بِمُنَاسَبَةِ يُوبِيلِهَا الْمِئَوِيِّ. مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْجَمِيلَةِ تَبْقَى لِي ذِكْرَيَاتٌ لَا تُنْسَى: ابْتِسَامَةٌ صَادِقَةٌ، كَرَمُ الضِّيَافَةِ، وَدِفْءٌ شَعَرْتُ بِهِ دَوْمًا فِي عَيْنَيْهِ. لَا أَنْسَى كَمْ كَانَ سَعِيدًا وَفَخُورًا بِنَجَاحِ هَذَا العَمَلِ، وَكَمْ أَحَبَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ فَرِيقِهِ الْفَنِّيِّ بِرُوحِ الْأَبِ وَالصَّدِيقِ.
وَكَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ اللُّبْنَانِيُّ: “الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ”، لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ يُصْبِحَ الْأُسْتَاذُ سُهَيْل جَارِي فِي عَيْنْطُورَةَ، وَكَأَنَّ الْقَدِّيسَةَ رَفْقَا تَصِلُنِي بِهِ مِنْ جَدِيدٍ، تَارِكَةً لِي هَذَا الصَّدِيقَ الْمُمَيَّزَ فِي دَرْبِ الحَيَاةِ.

.
لِكَيْ لَا أُطِيلَ الكَلَامَ، أُوَدُّ أَنْ أُشَارِكَكُمْ خَمْسَ مَزَايَا تَخْتَصِرُ جَوْهَرَ هَذَا الْإِنْسَانِ الْكَبِيرِ:
١. الرَّجُلُ
هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَحْتَرِفُ فُنُونَ الحِكْمَةِ وَاللِّيَاقَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالمَوْضُوعِيَّةِ، يَشِعُّ بِالحِكْمَةِ رَغْمَ بَسَاطَتِهِ، وَتَتَرَاءَى فِي تَصَرُّفَاتِهِ صِفَاتٌ تَجْعَلُهُ لَيْسَ فَقَطْ أَدِيبًا، بَلْ حَكِيمًا يَحْمِلُ الكَثِيرَ مِنَ الجَمَالِ فِي طَيَّاتِهِ. وَكَمَا قَالَ جُبْرَانُ خَلِيلُ جُبْرَانَ: “القُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي الجَسَدِ، بَلْ فِي الرُّوحِ الَّتِي تَعْرِفُ كَيْفَ تُحِبُّ وَتُسَامِحُ.” هَذِهِ القُوَّةُ، الْمُشْبَعَةُ بِرِقَّةِ المَشَاعِرِ، تَجْعَلُهُ مِثَالًا لِلرُّجُولَةِ النَّبِيلَةِ الَّتِي لَا تَهُزُّهَا الْأَيَّامُ وَلَا الْأَشْخَاصُ. وَدُمُوعُهُ مُنْذُ فَقْدَانِ لِينَا، كَانَتْ قَصِيدَةَ الوَفَاءِ وَالحُبِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنَ المَوْتِ، الرُّجُولَةُ الَّتِي تَعْرِفُ كَيْفَ تَبْكِي دُونَ أَنْ تَنْكَسِرَ، بَلْ تَتَسَامَى فِي وَفَائِهَا.
٢. الْأُسْتَاذُ وَالْمُرَبِّي
هُوَ الْأُسْتَاذُ الَّذِي تَفَانَى فِي رِسَالَتِهِ، دُرُوسُهُ لَا تُنْسَى، وَطُلَّابُهُ تَخَرَّجُوا حَامِلِينَ رُؤْيَةً لِلْحَيَاةِ. وَكَمَا يَقُولُ سُقْرَاطُ: “التَّعْلِيمُ لَيْسَ مَلْءَ وِعَاءٍ، بَلْ إِيقَادُ شُعْلَةٍ.” وَهَذَا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ سُهَيْلٌ مَعَ طُلَّابِهِ، يُشْعِلُ فِيهِمُ الشَّغَفَ لِلْمَعْرِفَةِ وَالحَقِيقَةِ. أَضَعُ نَفْسِي مَكَانَ تَلَامِيذِكَ، فَأَشْعُرُ بِالدَّهْشَةِ أَمَامَ فَلْسَفَتِكَ الْإِنْجِيلِيَّةِ – السَّهْلَةِ وَالصَّعْبَةِ فِي آنٍ، فَلْسَفَةِ العَوْدَةِ إِلَى العُمْقِ لِخَلَاصِ النَّفْسِ وَالجَسَدِ. كَمْ أَحْسُدُهُمْ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ!
٣. الْمُؤْمِنُ
فِي مَسِيرَةِ الفَنِّ وَالْإِبْدَاعِ، لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يَبْقَى الْإِنْسَانُ مُؤْمِنًا، مُحَافِظًا عَلَى نَقَاءِ الطِّفْلِ فِيهِ. وَلَكِنَّكَ يَا سُهيل، بَقِيتَ كَذَلِكَ. كَمْ أَنْتَ جَمِيلٌ حِينَ تَتَحَدَّثُ عَنْ يَسُوعَ، وَمَرْيَمَ، وَرَفْقَا، وَحُبِّ اللَّهِ! يَقُولُ إِسْحَاقُ السُّرْيَانِيُّ: “الصَّمْتُ هُوَ صَلَاةُ الرُّوحِ.” هَذَا الصَّمْتُ الْمَفْعَمُ بِالْإِيمَانِ كَانَ قُوَّتَكَ، بَشَارَتَكَ الصَّامِتَةَ وَالصَّامِدَةَ، زُهْدَكَ الرَّاقِي، وَإِيمَانَكَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ، بَلْ يَشِعُّ مِنْ وُجُودِكَ.
لقد وَهَبَكَ اللهُ وَزَنَاتٍ كَثِيرَةً، وَزِدْتَهَا حُبًّا وَعَطَاءً.
٤. الصَّدِيقُ
الصَّدِيقُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يُحِبُّكَ فِي ضَعْفِكَ قَبْلَ قُوَّتِكَ، وَيَدْعَمُكَ فِي الْأَيَّامِ الصَّعْبَةِ قَبْلَ الجَمِيلَةِ، وَيَمْنَحُكَ مِنْ طَاقَتِهِ دُونَ انْتِظَارِ مُقَابِلٍ. أَنْتَ الصَّدِيقُ الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ أَلْبِرْتُ هُوبَارْدُ يَقُولُ: “الصَّدِيقُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ أُغْنِيَةَ قَلْبِكَ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَنِّيهَا لَكَ عِنْدَمَا تَنْسَاهَا.”
وَكَمْ أَنَا مَحْظُوظَةٌ! عَرَفْتُكَ مُنْذُ زَمَنٍ، وَلَمْ أَعْرِفْكَ… إِلَّا مَعَ الوَقْتِ، فَاكْتَشَفْتُ كَنْزًا مِنَ الوَفَاءِ وَالنُّبْلِ.
٥. سُهَيْلُ مَطَرٌ وَفِيلُوكَالِيَا
لِأَنَّهُ شَغُوفٌ بِالجَمَالِ، وَالجَمَالُ يُحِبُّهُ، وَضَعَ نَفْسَهُ فِي خِدْمَةِ فِيلُوكَالِيَا، فَكَانَ حُضُورُهُ إِبْدَاعًا فِي الفِكْرِ وَالفَنِّ، يَلِيقُ بِهِ حُبُّ الجَمَالِ وَجَمَالُ الحُبِّ. وَكَمَا جَاءَ فِي سِفْرِ الجَامِعَةِ: “الجَمَالُ لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ، بَلْ فِي العُيُونِ الَّتِي تَرَاهَا.”
وَأَعِدُكَ، يَا صَدِيقِي، بِمَا أَوْصَيْتَنِي بِهِ: أَنْ أُحَافِظَ عَلَى هَذَا الجُنُونِ الجَمِيلِ، جُنُونِ حُبِّ الجَمَالِ وَالعَطَاءِ بِلا حُدُودٍ، طَالَمَا أَنَّ اللهَ هُوَ مُلْهِمُنَا وَمَعَنَا.
أَخِيرًا…
كَمْ نَحْنُ مَحْظُوظُونَ بِوُجُودِكَ مَعَنَا! أَقُولُ لَكَ، مِنَ القَلْبِ: شُكْرًا لِأَنَّكَ أَنْتَ. لِأَنَّكَ وَفِيٌّ لِنَفْسِكَ، وَلِمَنْ تُحِبُّ، وَلِلْقِيَمِ الَّتِي تَحْيَا مِنْ أَجْلِهَا. شُكْرًا لِعَطَائِكَ، لِتَمَيُّزِكَ، لِكِبَرِكَ الَّذِي لَا يُقَاسُ. أَنْتَ تَسْتَحِقُّ هَذَا التَّكْرِيمَ وَأَكْثَرَ.
مَعَ كُلِّ الحُبِّ وَالتَّقْدِيرِ.
الأخت د. مارانا سعد خلال الاحنفال التكريمي للشاعر والأديب د. سهيل مطر
كلمة الفنان جورج خباز :
( الكلمة ألقاها بالمحكية اللبنانية )
مساء الخير،
منذ زمن وأنا أنتظر هذه الفرصة ، لكي أعبّر عن حبي وتقديري لأستاذي ، لهذا الرجل الرجل .
ولكن عندما اقترب موعد التكريم ( استحقيتها ) فلم أعد أعرف ماذا سأقول ، ( يا عمي وينن يللي بدي قولهن ؟ وين راحوا ؟ )
هل أتكلم عنه نثرا وهو ملك النثر ؟ هل أقول فيه شعرا وهو سيد الشعر ؟
هل أتكلم عن مميزاته وبات يعرفها الجميع ؟
هل أخبركم عن إنجازاته ( والكل شايفها ؟ ) .
أأخبركم عنه كمعلم ، كتربوي ، كشاعر ، كأب ، كزوج ، كعاشق ، كمتمرد ، كرجل ؟
جورج خباز والشاعر سهيل مطر
وقال جورج خباز : ..كيف بدي اطلع على منبر وخبّر عن سيد المنابر ؟ يا أنا بستحي من المنبر ، يا المنبر بيستحي مني ، وبيقللي عجّل ، أنا ناطر حدا …
وع طول ، بكل حفلة ، بكل تكريم ، بكل مناسبة ، بيلاقي المنبر ناطروا .
ومع احترامي لكل المتكلمين ، الوقت بيوقف ، لمن هالرجل بيطلع عالمسرح , وبيعتلي المنبر ، لتعتلي الكلمة.
وشو بدها أحلى من هيك هالكلمة ؟ هالكلمة يللي جاية من صلب فكروا ، يللي لابسة صوتو ، سارحة بين رفقاتها على لحن جملتوا يللي ما بيشبهها لحن ..
بصوتو ، بشوف الخيّ ، بشوف البيّ ، الصديق .
إذا شفتوا بعد سنة ، كأني شفتوا مبارح ، نفس البسمة ، نفس اللمعة بالعيون ، من 4 سنين نفس الدمعة بالعيون .
بس هالدمعة ما خفيّت اللمعة ، لا ، بل زادتها لمعان ، واعطتها معنى أسمى ، أكبر وأوفى .
لمن بسمعوا ، بسمع عصارة فكروا ، بشوف عصارة روحه .
سهيل مطر ، مع كل هالشي ، صدقني ، ما بعرف اكتب عنك ولا أكتب فيك ، بعرف اسمعك ، وإسمه عزّ لبنان ، ويلفحني هوا جرود البترون ، وهواء تنورين المصّقع .
صدقني مش مجاملة ، قدّ ما يكونوالمنبر عالي ، بينحني بحضورك .
واسمحلي ، أستاذي قولك بيتين شعر ، مش مفروشين بعد ، بعدهن عالعضم ، بس كتبتهن من قلبي ، بيقولوا :
الرب العالي راد وشاء
يحَمّٰلك كلمة مسؤولة
لتخاطب كل الأذواق
بجرأة فكرة خجولة
أبيات عزّ وأشواق
بدهب المعنى مشغولة
قلبك عم يخفق مشتاق
للروحها بروحك مجبولة
ملك الشعر والأداء
قدّ ما منحكي ، نعبي وراق
إنت عالمسرح عملاق
مع إنو طولك من طولي .
الفنان جورج حباز
كلمة الفنان د. مارسيل خليفة :
سهيل مطر
أما زلت تحمل قلبك كزوّادة الراعي . أم يحملك قلبك كناي ينقل الصيف إلى جرود اللقلوق في بلاد جبيل حيث بيتك الأول . فردوس مفقود في أعالي الجبال . والد يقتلع لاولاده رغيف الخبز من حضن الكتاب ورائحة منقوشة الزعتر البلدي من تنّور أم تشعل المروج .
صُوَر تسحبها الغيوم إلى الغيوم . طفولة النبات والشجر واختلاط الليل بالنهار . لا سبيل إلى التذكّر إلاّ باشتمام المكان ، يبتعد من المكان ولا يبتعد عنه . هل انت من تسكنه وترحل أم هو يسكنك وإن ترحل ؟! كظلّك يتبعك ، أنّى تكن ، وإن هجرته ولم يهجرك ، تشتمّ بيت الجرد من بعيد مثلما تشتمّ الورد الجوريّ . تخزّن الروائح مثلما تخزّن الصور والأصوات والكلمات . وكلّما عنّ لك ، تستعيدها مثلما تستعيد من قصيدة قديمة بضعة أبيات .
في المكان الأول هواء يلفحك بالروائح . تلقي تحيّة الصباح عليه ، كلّما استفاق الصبيّ الذي تخشّع . دروس كتاب العطلة الصيفيّة شبّت حرائقه في النفس ، وحداء قوافل المارين على الطريق الترابيّة ما زالت ترنّ في الأذن . هي كنوزك في كوخك العتيق . الهديل يدغدغ في الأحشاء نومتك المتأخرّة . الصباح في طريقك إلى المدرسة يتثائب . المساء الشتويّ في حضن سرير الخرافة . ملعب الحيّ . الكنيسة والصلوات الأبديّة . الحبيبة تفجر فيك الينابيع . السفر إلى المدينة بحثاً عن أسرار الأبجديّة .
يا رجل ،
لقد فتحت بكلماتك المدن وحولت الحاضر إلى ماضٍ في ذاكرة الغياب .
أحيّي فيك اليوم ضجرك الجميل . ولقد تساءلت يوم تقاعدت قسراً عن جدوى هذا العبث . ولكن ، ليس في وسع أيّ سلطة ان تحاصر حريتك . يريدون تشابه الرمال وأنت للأزرق .
كنت وستبقى استاذاً وأديباً وشاعراً .
سهيل مطر اختنق بدخان الغياب . عثر على نفسه وحيداً في ليل البعد . لم يجد أحداً يقاسمه ذلك الليل ولم يجدْ مكاناً لا مكان له فيه . رحلت Lena ولم يجد في قاع الوحشة لغة تصالحه مع نفسه . لم تحسبها نظرة الوداع الأخيرة لأم البنين ، وغبت عمّن حولك واغتسل المكان بدموع القلوب المسفوحة . وعدت بعد حين تصوغ بحبر حياتك البسيطة لتشير ورغم الفراق الصاعق إلى ما في حياتك من شاعريّة .
في البيت صورة تتبعك كالظلّ ، لعلّها صورتها ، لعلّها صورتك ، لعلّها نيزك من خيال ولعلّها خاطرة تمرّ في معرض عشق قلب يدور عليها في دورته بين الهنا والهناك والهنالك . الحنين إلى الزمن الجميل ترفعه على صهوة مجد لا يليق به إلاّ كما يليق بالفرح الأنين . لقد بحثت عن الخيال في الواقع ، فوجدته امامك ماثلاً في نثر الحياة . بين الواقع والخيال الف مودّة حين يلتقيان على ورق ، او يندسان في هدأة الكتاب . توأمان هما في الخاطر حين تنهار الحدود بين الصخر والسنبلة .
قلت لسهيل في جلسة عرمرميّة بحضن مدفأة الحطب برفقة أصدقاء جميلين وكثير من النبيذ .

.
أضاف الفنان خليفة القول : أعرف يا صديقي بأنك تحنّ إلى قصيدة مؤجلّة . ننتظر قطاف الجمال من الكلام .
قال : – بحثت عن قصيدتي حين مرّت بي والقت عليّ نظرة النداء فما وجدت في فمي من كلام أجيب به غير – الحب –
سهيل لم يكبرنا كثيراً في العمر ، غير أنه كان مثالنا ليأخذنا إلى صورة واقعنا . وحين أنظر إلى فتوّة تلك الأيام أرى سهيل الذي فتن أجيالاً من التلامذة العشّاق المنتقلين من القرى الكبيرة إلى المدن الصغيرة .
سهيل مطر قلب يسير على قدمين .
عرفته عن قرب منذ التقينا بجامعة اللويزة ، وانصهرنا في بناء مشروع مدرسة موسيقية وبدأنا بالكتابة والتحضير . كنّا نحلم بمغامرة الحريّة والجمال . وكنّا نعتقد بأننا ذاهبون إلى ترويض المستحيل . سنة كاملة من الاجتماعات والنقاشات في مسار الطريق الطويل . ندخل في نفق معارك لا تنتهي دون ان يهمّنا القطاف السريع بقدر ما كانت تهمّنا نشوة المحاولة . ولليوم لم يعتذر أحد على تعب الاستاذ الذي حاول أن يستدرج القمر إلى قلب الجامعة ، واصل طريقه دون مقايضة النتيجة بخوف الحساب .
إذهب يا سهيل إلى حيث تشاء ما دامت أجيال قد امتلكتك . ما زلنا نرى قامات خطواتك الأولى . لا لنرى فحسب بل لنصدّ معك غزوات الاعتذارات الرائجة .
لقد حققت بدورك انعطافاً حاداً في سلك التعليم والإدارة وما قيمة أن نشكرك الآن على ما نفحت في تلاميذك من عِلم الجمال “التنوريّ “
فتعال يا صديقي نبوح بحساسية أُخرى . تعال لنشدّ الوتر على طريق الخيل والمطر . نتسلّل على حبل الظلّ ، نتلوّى ، نصلّي ، نزني ، ثمّ نعود إلى حافة الوتر الذي يجرح نسيم الريح ونصفق لما تبقّى فينا من قدرة على الطرب ولنصدّق أنّ على هذه الارض المجبولة بالحروب الصغيرة والكبيرة ما يستحق الحياة .
لقد عرفنا صواب قلبك ، أسألك : – هل استحقت الحريّة كلّ هذا الثمن ؟!
سهيل حبره مطر نازل على الورق .إغراء صامت في التأمل . نداء الروح في نفرتها من شقوتها ونشوتها . إرواء عطش مؤجج غليله في مِرجل روح تتعالى وتتجلّى كلاماً جَموحاً . بيانه امرأة تعرف طريقها إلى الإغواء بما ملكت من الحسن وتعرف متى تعطي وتحجب وتُشغل رأساً وبالاً . وما اعذب العوم في بحوره الغزليّة : كانت واحدة في البدء ثمّ تكاثرت ، ربما في القصائد فقط . ولكل واحدة منهنّ وزنها والقافية وآيات حب تسيح في القصيد كالجمرات في طقس بارد . هكذا أقام حد العدالة بين ضيوف القلب ، ووزّع ملح الذكرى بالتساوي على من عبرنَ حياة العاشق الولهان .
هو عصاميّ في الحب وهلاميّ في العواطف .
لم يفهم سهيل حتى الساعة كيف أخرجنا الربّ من النعيم من اجل تفاحة ليرمينا في عذاب روح تئنّ . ومريم ، الصبيّة الحلوة ، المخطوبة ليوسف تنتظر عريسها . . ويطلّ الملاك ويسأل سهيل : – ماذا لو قالت لا ؟!
المعنى يا معلّم ما تصنعه وما تخلعه على الأشياء . فأسعد بكونك صانعاً ما تشاء . وما اطيب التفاحة وما أحلى الخطيئة الفاتنة .
عنك اليوم يا سهيل نقلّب كتاب الذكريات . أمطرنا نصّك برائحة الزمن القديم . انت ، من منحت الطفل الصغير الذي كنته شريعة القلب ، وعلمته حروف الأبجديّة في كتاب الحياة وصقلت فيه الصبيّ . ما زلت الصغير بين دفتيّ الكتاب : رجلاً معذباً هذه المرّة ، لا ولداً شقيّاً . في تفاصيلك ما تكتب وما تمسح عيناك من شواهد الحبر عليه ، وما في الخاطر يجول . دوّن ما شئت من نثر الوجود .
سهيل مطر
أرتّل على مسمعيك آيات جمالك الروحيّ وأذهب في طريق المعنى إلى آخره كي أصحّح جملاً في الكلام طائشة ، وبيتاً من الشعر غير موزون . لا أبالي . أغمس في حبر كتابك متقفيّاً خطاك .
سأضع على منضدتي ما يكفي من الأوراق والحبر لأكتب لك حتّى آخر فقرة في سِفر الكلام .
سهيل مطر كم نحبك .
الفنان مارسيل خليفة خلال إلقاء كلمته في الحفل التكريمي .
الفنان مارسيل خليفة في صورة من الفنان جورج خباز
وفي ختام الاحتفال، قدَّم المجلس الثَّقافيّ في بلاد جبيل، ممثَّلًا بهيئته الإداريَّة برئاسة الأستاذ توفيق صفير، درعًا تكريميًّا للدُّكتور سهيل مطر، عربون وفاءٍ لمسيرته الزَّاخرة بالعطاء، كما تمَّ تكريم المنتدين والأب سيمون عبُّود بشهادات شكرٍ وتقديرٍ.

ثمَّ ألقى المحتفى به، الدُّكتور سهيل مطر، كلمةً مؤثِّرةً، حيث عبَّر عن شكره العميق للمُنظِّمين، وللمجلس الثَّقافيّ في بلاد جبيل، ولجميع الحاضرين، ولعائلته وأهل بلدته تنُّورين.
د. سهيل مطر خلال تكريمه في الحفل
كلمة المحتفى به د. سهيل مطر :
أيها الأصدقاء
… وتعطّلت لغة الكلام… الصمت في حرم الجمال جمالُ… ولكن… أرجوكم، إمنحوني بعض التواضع، لا تدعوني أصدِّق كلّ ما قيل بي، ولا تصدّقوهم… على الأقلّ، لا تصدّقوا نصف ما قالوا… هؤلاء سكارى بالحبّ، هل رأى الحبّ سكارى مثلَهم؟
أمّا نحن أبناء وبنات تنّورين، فنحن متّهمون بأنّنا نقف على الحجر. الليلة، وبعد ما سمعت، وشاهدت، وقرأت في عيونكم، يحقّ لي أن أقف على أعلى صخرة في أعلى قمّة في جبل صنّين.
شكراً لكم، لقد منحتموني أوسمة من رتبة قبلةٍ وأطيب…
شكراً للمجلس الثقافي في بلاد جبيل… وعندما نقول جبيل: خفِّفِ الوطءَ فالحجارة هنا تتنفّس حضارة وأبجديّة وسموّ أخلاق.
شكراً للرئيس الصديق توفيف صفير، وله، في القلب، عنوان، وفي الصلاة، دعاء بالصحّة والعافية.
شكراً للزميل الدكتور نوفل نوفل، يعطي، من قلبه، ولا حساب.
أمّا رحاب، الرحبة الكلمات، الحلوة على نبل وحياء، الصادقة في العمل، كما لو أنّها صديقة وقدّيسة، فهي “بنيّتي”، منذ زمن، وأنا فخور.
وأصل إلى جهاد الأطرش، رفيق الجهاد، طيلة هذا العمر، كم يحلو صوته عندما يجعل من الكلمات، عقد ياسمين لا يليق إلّا بإيمان.
أما ميراي، فاعذروني، ضعيف أنا تجاه مهندسة لامعة، تفوّقت على الأدب، بأدب اللطف والوفاء والإنسانية. اسمعي، ميراي، الغضب في الحبّ فاضِل وفضيل.
ويُشرق أخي جورج، ولدي، هذا المبدع على كرامة وعمق، له، في بيتي، كما في القلب، مسرح وبطولة:
يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً كعاشق خطّ سطراً في الهوى ومحا…
ولن تُمحى سطور له، لا في الفنّ ولا في الهوى.
وأتطلّع إلى الأخت مارانا: من أين أنتِ؟ من جبيل النابضة في قلبها، عطاء وإبداعاً. هي بكلّها فيلوكاليا، رمزاً للفنّ، وتجسيداً للحبّ والجمال، وطوبى لأنقياء القلوب…
ويُطلّ هذا الكبير مرسيل خليفة، كلمته كلمة، وصوته نداء تمرّد يجمه الحبّ إلى الغضب، بدمعة مجنونة، أحيّيك، يا أحنّ من خبز أمّي.
أمّا هذا الأنطش، برئيسه العام، ورئيسه الأب سيمون، فلهم الصلاة، وهي خير تعبير عن دور ورسالة، كما كلّ التقدير لوسائل الإعلام، ولا سيّما Télé-Lumière.
أمّا أنتم، أيّها الأصدقاء والزملاء والأهل، فأنا أتكرّم بكم، بحضوركم، بما غمرتموني من عطف وحنان… كدت أسكرُ بكم ولو في صيام وتحريم.
صدّقوني وصدّقوهم: دون حبّ الأرض منفى وصحراء… دون حبّ ، العالم يأس وانتحار… لهم لغة التشنّج والتوتّر والقتل، لهم الكلمات الجارحة والشتائم الوقحة والبرامج الحاقدة، أمّا نحن فليس لنا إلّا الحبّ:
ليس أرزاً ولا جبالاً وماءً
وطني الحبُّ ليس في الحبّ حقدُ
قدري، منذ ولادتي، في جردنا العتيق، في بيتنا الفقير، قدري صناعةُ الأحلام: فإن تكسّر بعضها في الطريق، حوّلتُ الشظايا والبقايا إلى كلمات مضرّجة بالندى والدمع والوفاء…وأتابع…
عمري؟ ما لنا وللعمر… لو تتحطّم الساعات، ملعون من اخترع الشهور والسنوات وأعياد الـ anniversaire، لو تتكسّر يداه. أمّا أنا فأغنيتي المفضّلة:
تعا تنتخبّى من درب الأعمار…
صحيح: عمري موسوم ببعض الوجع والحزن: أمّي، أبي، أختيّ الصبيّتين: ليلى وضياء، أخي الجميل، صباح، أصدقاء، أقرباء، طلّاب… رحلوا وتركوني:
كـلُّ الذيـــن أحبُّهـــم
نهبوا رقادي واسـتراحوا
فأنا هنا جرح الهوى
وهناك في وطني جراحُ.
شكراً لكم، وغمرة حبّ لكم جميعاً، لأبنائي الثلاثة: زياد، وسام ورواد… للأحفاد، والكناين، لأختي حنان، ولتنّورين التي صنعتني، جبلةً من ترابها العالي…
أمّا تلك المرأة الحلوة
أنا عنكِ مـا حدّثتُهم، لكنّهم قرأوكِ في حبري وفي أوراقي
أنا عنكِ،ما أخبرتهم،لكنّهم لمحــوكِ تغتسلين فــي أحـداقي
إليها،
وحدها غابت… إلى عينيها أقدّم هذا التكريم وأصلّي:
يا مريم،
كوني معي، حتّى آخر شهقة حبّ
كوني معي حتّى تنتصر الدمعة على السيف،وقلعة جبيل على قلاع الفساد والغرور والنفاق.
كوني معي، كي لا أنتهي قصيدة يتيمة
كوني معي حتّى: تموت وهي على أقدامها الشجرُ
وأنتم شجرة الحياة التي أتظلّل بها… أنا أحبّكم، شكراً لكم…
سهيل مطر
الأنطش-جبيل 29/3/2025
د. سهيل مطر خلال تكريمه
واختُتمت الأمسية وسط أجواء من الفرح والامتنان لمسيرة رجلٍ كرَّس حياته للكلمة، للفكر، وللإبداع، حيث اجتمع الحضور حول قالب الحلوى، رافعين نخب المناسبة احتفاءً برمزٍ من رموز الثَّقافة اللّبنانيّة، وأخذت الصور التذكارية.

.

.

.

.

.

.

.

.

.
