الكاتبة منى دوغان تقرأ ” رجل يفتش عن حاضره ” للكاتب د. قاسم قاسم :
كتبت منى دوغان :
قرأت هذه الرواية الرائعة التي هي من نسيج الخيال لكنها تحاكي حاضرنا.
اولا شدني الاسلوب السردي الماتع المتميّز بالسلاسة ، وتداخل اللغة الفصحى مع اللهجة العامية في الحوارات مما جعل من الرواية غير مملة وقريبة من الواقع ومن حياتنا اليومية على الرغم من أنها من نسيج الخيال والشخصيات خيالية.
العنوان: جاء مطابقا للشخصية الرئيسية الذي في كل محطة من حياته كان يبحث عن حاضره أو بمعنى آخر عن هويته وعن ذاته.
١- الشخصية الرئيسية في هذه الرواية وهو عصام الذي جاء من الشمال ولقد أحسن الكاتب اختيار البيئة التي أتى منها. فأهل الشمال بمعظمهم يميلون إلى التديّن – بيئة قابلة إلى ما يسمى بالتطرف الديني الذي استحوذ على هذا المجتمع في العقود الأخيرة. وعصام ابن هذه البيئة ولذا كان من السهل أن يقع في مصيدة الدواعش. رغم ذلك عاش التناقضات والصراعات النفسية لأن اخلاق الاسلام التي تربى عليها لا تمت بأية صلة مما شاهده من ممارسات من هذه المجموعات المتطرفة.
٢- عاش عصام التناقض والصراع الداخلي حينما أحبّ سارة وظهر ذلك في الرغبة الطبيعية عند الإنسان أمام وجود أنثى والمحرمات. فهو يريد أن يشبع رغباته لكن العائق كان ليس خجله كما تم تلميحه في الرواية بل ما جاء من محرمات في الدين.
٣- هذه الشخصية المعقدة التي لم تجد ذاتها في يوم من الايام تضيع بكل سهولة في متاهات الدنيا ، فتهرب من الواقع كلما اصطدمت بمرارة الدنيا. لذا فالدين كان بالنسبة إليه هروب ، ثم انغماسه في الكتب والفلسفة هروب ، ثم التسوّل في نهاية المطاف كان هروبا من الواقع أيضا ، وأزعم بأنّ عصام لم يجد ذاته حتى وافته المنية.
يقف القارئ متسائلا حتى آخر ما خطته الرواية : من انت يا عصام؟
اعتقد هذا هو حال كل انسان عربي في ظل المتاهات التي تعيشها مجتمعاتنا وعصام أنموذج من هذا الإنسان العربي التائه عن أرضه وهويته.
أما الشخصيتان اللتان لازمتا بطل الرواية وهما سارة وميساء فيمثلان الماضي المرير ، لذا كان الماضي هاجسهما الاول والأخير ولم يفارقها حتى توفتا.
الشخصية الثانوية وهي الصحافية التي دخلت الى عالم عصام عنوة وحاول أن يهرب منها ، فهي ترمز إلى الحاضر و المستقبل وهي الإضاءة في زمن الظلمات. وكأن عصام كان ينزعج من النور إذ لطالما عاش السواد وتعوّد عليه.
في هذا الكتاب لفتة مهمة إلى ما يجب أن يحكم أوطاننا ومجمتعاتنا وهو “قانون الانسان” ذلك الكتاب الذي نشره عصام تحت اسم مستعار . وكأن الكاتب أراد أن يظهر لنا من خلال إشارة” الاسم المستعار” إلى أنّ كل من يطرح افكارا متجددة بعيدة عن التشدد والتعصب والمعتقدات سوف يكون عرضة للانتقادات و الاغتيالات . لذلك كان عصام خائفا من طرح هذه الأفكار الجديدة على مجتمعاتنا.
لكن بوجود بعض الجريئين مثل الصحفية فاديا لا بد لليل أن ينجلي وللقيد أن ينكسر.
