المفكر علي حرب كتابا
سوسيولوجيا التوحش
” إن أزمة العالم تتجاوز الحروب الدينية والصراعات الإيدلوجية والعنصريات الشعبوية. إذ هي أزمة الإنسان مع نفسه بالدرجة الأولى، بقدر ما تكشف أن أكثر ما يجهله الإنسان هو إنسانيته، التي تفاجئه لتصنعه بخلاف ما يفكر ويحسب. أو ليصنعها بعكس ما يهوى ويريد. هذا الجهل هو ما يفسر كيف أن النزوات والعصبيات، وأن الأحقاد والأطماع تغلب النبوات والفلسفات والأيديولوجيات”.
ينشغل معظم المفكرين اليوم، بتتبع قطاعات المجتمعات التي تعاني من الإضطرابات السياسية والإنمائية. وهم يشتغلون عليها بقصد وضعها على جادة الصواب والعقلانية، بسبب ما يجدون فيها من شدة الشذوذ والإهتراء. وأقصى مناهم أن يرونها تأخذ عافيتها، أو أقله أن تتلمس دربها إلى ذلك. لأن مشهد الذبول والخراب والإهتراء والتداعي، إنما يفعل فعله في نفوس هؤلاء المفكرين. وهم الذين رهنوا حياتهم كلها، لتقويم الإعوجاج. ولهذا تراهم يأسفون أمام تلك المشاهد، حتى ليكادوا يتساقطون من هولها.
“من المفارقات أن إسرائيل، التي كانت ضحية للنظام النازي ولمعاداة السامية في الدول الغربية عامة، قد عملت على حل مشكلتها بتحويل الفلسطينيين إلى ضحايا. وهذا مثال على أن الضحية، أو من يدعي أنه كذلك، سرعان ما يتحول إلى جلاد عندما يتمكن ويسيطر”.
“علي حرب. إنسانيتنا تفضحنا. الدار العربية للعلوم ناشرون. 140 ص. تقريبا. بيروت-2025″، يتتبع آثار التوحش أينما كان في مجتمعاتنا. وهو يعمل بجدية لفضح ما يراه، وما يقع له، وهو يقوم بما يوازي الدراسات السوسيولوجية، في عمله هذا.إذ تكاثرت عليه مشاهد التوحش الإنساني، فأخذ يقطع وقته كله برصدها. وهو لا يتوانى عن فضح العيوب الإنسانية، مهما كانت تتوارى في أشكالها الدينية وغير الدينية. لأنه يرى أن المجتمعات البشرية، مفخخة بالأصوليات، منذ قديم الزمان. وهذا هو أصل البلاء الذي إبتليت به المجتمعات، فصارت مع مرور الزمن، ومع تقدم التكنولوجيا، عرضة للهشاشة والإهتراء. وصارت إلى ذلك، أكثر قابلية للإنفجار والتجاوزات، حتى حدود الموت الرحيم.
” يا لها من فضيحة أن تؤكد بأن إسرائيل هزمت لأنها لم تستطع أن تهزم حركة حماس، ولكنها تكاد تطحن مدينة غزة، التي لا حساب لها عند داعية التحرير ومحور المقاومة.. وهكذا، فإن إسراىيل تريد إبادة أهل غزة، ولو بقيت حماس،إذ عندها تنتفي الحاجة إليها. أما حماس، فهي تريد بقاءها، كحركة وشعار وفكرة، ولو فني أهل غزة”.
يتابع المفكر علي حرب، وجوه الموت الفلسطيني اليومي. ويرد أسبابه إلى الأصوليات التي حكمته وتحكمت به. من الأصولية اليهودية إلى الأصولية العربية- الإسلامية، إلى الأصولية الغربية المسيحية. وهو يرى،أن هذة الأصوليات، قد إجتمعت على القضية الفلسطينية وفتكت بها، منذ بداية القرن التاسع عشر. فكان ضحيتها منذ ذلك الوقت المبكر، وما يزال حتى الآن.
“نحن لم نعد نعيش في عصر السيف والمنجنيق. أو في عصر الجمل والحصان. لقد تجاوزنا العصر الزراعي منذ زمن. وها نحن نتجاوز العصر الصناعي. هذا على المستوى التكنولوجي، المتعلق بأنماط الإنتاج ووسائل النقل والإتصال والنشر والبث…كذلك الامر على المستوى الفكري. فالبشرية تجاوزت العصر اللاهوتي. من هنا نجد الناس، في معظم البلدان، لا تعرف نفسها من خلال البطاقة الدينية. ثمة أطر ومفاهيم جديدة أخذت تشكل وعي المرء بهويته، كالمواطنة والدولة والتداول الديمقراطي…”.

وعلى طريقة المطارحات التي إعتمدها المفكرون والفلاسفة، حين ينظرون في القضايا الشائكة، يأخذ المفكر علي حرب، بفضح الأساليب الأصولية، للسيطرة على عقول أبناء المجتمع الفلسطيني كافة، وكذلك على عقول الإسرائيليين ودفعهم إلى الذروة في غمار التوحش. فيرصد ما يصيبهم من أذى عميق. ومن تفكك مقيت. ومن موت يومي، أين منه الموت الرحيم.
” كفانا تشبيحا وجهلا بأنفسنا وبغيرنا، نحن الذين نتباهى بالحضارة الإسلامية. ونتهم الحضارة الغربية بأنها حضارة مادية قامت على النهب والأستغلال أو التهميش والإقصاء… ليست المسألة هي تغيير الهويات الثقافية…”
يقارب المفكر علي حرب، بمنهجه التفكيكي، جميع الموضوعات الأصولية، والتي يراها تنهش من بدن المجتمع الفلسطيني قديما وحديثا، حتى لتكاد تفتك به. وهو يشير إلى عمل الأصوليات في نخره، بأشكل شتى: الدينية والتعليمية. بحيث ينفذ منها إلى الأوضاع المدنية وغير المدنية. فيراها متآكلة ومهترئة وآيلة حكما إلى التساقط، جيلا بعد جيل.
“كفانا تدنيسا للمقدسات، بإسم الإيمان بها والدفاع عنها… ما عاد يجدي الإلتفاف على المشكلات. لنعترف بالواقع لنحسن فهمه وتدبره…. لا وجود للمطابقة الكلية على المستوى المجتمعي والسياسي، إلا على سبيل الخضوع والإستسلام، أو الإنسحاق والذوبان.”
كتاب “إنسانيتنا تفضحنا”، إنما يضع الإصبع على الجرح. فتتراءى لنا من خلاله قوى التعصب الأعمى. وقوى العصبيات المنفردة والمجتمعة. كما يتبدى لنا مجتمع الضحايا، في أبشع صوره للجرائم المركبة فيه بحق الإنسانية.
” نحن فاشيون مع الرأي الواحد والخط الوحيد والزعيم الأوحد. تشهد على ذلك شعاراتنا: لا مجد إلا للبندقية… كصيغة مستحدثة للشعار الذي ساد في المرحلة القومية: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.وكانت الحصيلة أن نخسر كل المعارك، وأن ترتد علينا البنادق والقذائف إبادة جماعية لأهل غزة.”
يعري المؤلف القيادات والأمبرطوريات والإيديولوجيات، ويكشف عن دورها العميق في الإرتكاب، إلى حدود العمى الإنساني. بحيث تتجاوز الثقافات والرسالات والهدايات، إلى دور الجزار الذي يبحث عن ضحية. بل قل عن جريمة.
” أصل من ذلك إلى المعضلة الأهم. كون لبنان ما زال معلقا على صليب القضايا العربية والإقليمية. كما يريد له من إتخذوا منه رهينة لمشاريعهم المشبوهة ومغامراتهم غير المحسوبة.”
يحيلنا الكاتب المفكر اللبناني علي حرب، مرة إلى التاريخ القديم، ومرة إلى التاريخ الوسيط، ومرات إلى التاريخ الحديث والمعاصر. وهو يشير بكل ألم إلى الإرتكابات الأصولية بحق الشعوب على إختلاف منابتها وهوياتها الوطنية والمجتمعية. يظهر لنا صورة الأصولي في جميع المجتمعات قاطبة، بإعتباره مجرم حرب منذ الأزل. وهو يدعو ضحاياه، أن تضع إصبعها على الجرح، فلا تضيع في غمرة الخطابات ولا الألسن، ولا في سائر الأساليب التي تواري عن عمد رؤية الضحايا الإنسانية، تحت الستور، وخلف الأسوار.
” لا مبالغة في القول بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هو صنيعة الحدث الذي تمثل بسقوط الإتحاد السوفياتي….ولذا فهو صاحب ذاكرة جريحة أو هوية موتورة.ومن هذا شأنه، تحركه مشاعر الحقد وإرادة الإنتقام.”
يطلب منا المفكر علي حرب، أن لا ننخدع ببرهج الحضارة، ولا بعصر الأنوار، ولا بالطاقة الحداثوية القاهرة. فالأصل عنده: أصولي وضحية، ومجتمع ذبيح.
” بإختصار، آن لنا أن نقتنع، بأن عملية بناء مجتمع أو تغيير العالم، هو مصير مشترك، كل فاعل يشارك فيه بفكره وعمله أو بمعرفته ودرايته، أو بمبادرته وإبتكاره، بقدر ما يساهم على مستواه، أو من موقعه أو دائرة عمله.
فالفكرة الخصبة هي قدرتها على خلق فضاءات أو بيئات للتواصل الحي، والتداول العقلي، للتبادل المنتج والتفاعل المثمر.”
المفكر علي حرب تتبع سوسيولوجية التوحش، في جميع القطاعات المجتمعية. وخصوصا منها تلك المؤثرة على العقول وعلى مناهج التربية وعلى القواعد العامة. فكان يدل بجرأته المعهودة، أن أصل البلاء هو الجشع البشري، الذي لا يعف عن الإستحواذ على كل شيء، من أجل جني الأموال وبسط النفوذ، وبناء الأمبراطوريات. ولا يتورع تسمية الأمور بأسمائها، لأنه المفكر الجريء الذي لا يحجم عن تعرية الحقائق، خصوصا حين يكون هدفه: تتبع سوسيولوجيا التوحش، وأرشفة آثارها وتأثيراتها.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين