في زاوية السبت الثقافي في ” ميزان الزمان “:
الاعلامية والكاتبة دلال قنديل تقرأ رواية ” الحاىط الخامس ” للكاتب والشاعر عباس بيضون ِ
×-×-×-
“الحائط الخامس”
شباط ٢٠٢٣
” حائط خامس” تهدم جدران الحرب بالتلصص عليها من ثقوب متاريسها.
في روايته الأخيرة ” حائط خامس” الصادرة عن دار نوفل – هاشيت انطوان يهدم الكاتب الشاعر عباس بيضون جدار الذاكرة المنسية، يواصل النبش حد القعر في التفسخات التي خلفتهاالحرب اللبنانية منذ العام ١٩٧٥ وماقبلها بقليل، دون ان يستدرجنا لغضب أو دموع. شخصيات هادرة تصلنا اصواتها،صورتها تخرج من إطارها، تحطمه وتمضي لمساراتها .
الكاتب والشاعر عباس بيضون ( تصوير يوسف رقة )
يمهد للأحداث على لسان شخصيته المحورية الشيخ عبد الرحمن :
” لم تتسع السليمانية لشيخين والقرى الاخرى لها شيوخها. بحثت عن قرية لم اجد سوى تلك الضيعة المقسومة بين مسلمين ومسيحيين.
” واصل” قرية على الحدود لا يزال في خراجها من الناحية الاسرائيلية ، في مدخلها كنيسة لا تشبه الكنائس كأنها غرفة ليست إلا، فقد عمَرها البروتستانت ضمن مدرسة تُعلم الانكليزية. بعد المدرسة ، وفي بقعة منخفضة، تنتشر بيوت المسيحيين ، وعلى أطرافها بيوت الشيعة ، وفي أعلاها جامع فقير. نجح مُبشر بروتستانتي سوري في أن يجتذب معظم المسيحيين في بعض القرى، على طول الشريط الحدودي ، ولما سقطت فلسطين تجمعوا في قرية ” واصل”.وتبعهم بعض الشيعة الذين بنوا على أطرافها.”
سرد جذاب بلغة مباشرة، يتغلغل في التفاصيل تتمازج فيه المحكية بالفصحى المخففة على عادة الكاتب في روايات اخرى، يفكك اللغة من ثقل الفصحى بحوارات باللهجة المحلية.
الشيخ المعمم لا يأتي على صورة المشايخ ، شاب، نحيف، أعزب،لا يشجع الزواج بأكثر من إمرأة، نباتي ولا يأكل اللحم، يقرأ الشعر ويتذوقه.
متدين بعيد عن تعصب المتدينين، لا بل يحرض بلسانه ضدهم “أعرف أن الشباب ما عادوا يرجعون الى الدين ، هناك افكار كثيرة امامهم :عروبة، شيوعية ، افكار تلهيهم عن الآخرة، عن العبادة.لم يكن هذا يزعجني فأنا أيضاً لا يضايقني ان ارى الشبان يبتعدون عن رجال الدين، إنهم يستحقون ذلك.إنهم لا يفكرون بالدين، إنهم يأخذونه عن اسلافهم كما جاء بالحرف، ولا يهمهم منه سوى ما يخصهم.”
غلاف رواية ” حائط خامس ” للكاتب عباس بيضون
“حائط خامس” ينتصب امام الجهات الاربع الموصدة على القتل والمجازر والتعصب والتقسيم .
بيروتان ، شرقية وغربية، القرية الشيعية يهجرها المسيحيون بعد مجزرة ” بوسطة عين الرمانة “.
يتورط أبطال الرواية بمعايشة الحرب وينقلبون على طغيانها. تُمرغهم بوحولها لكن ايديهم تبقى نظيفة من الدماء.يقول الشيخ عبدالرحمن إنه تغير بعد مقتل شقيقه محمود . “يوم قتلوا من وُجد في المكان من المسلمين” .كذلك تخبره غريس أن أنطوان قد تغير بعد مقتل شقيقه الكتائبي ووجد نفسه حزبياً للثأر لشقيقه.
انطوان إبن القسيس الذي كان والده شيوعياً قبل أن يبني الكنيسة ويصبح قسيساً، إكتفى بالاعلام من العمل الحزبي دون شر القتال.
لم يتوانَ أنطوان بعد فشل علاقته بغريس عن ان يكون جسر عبورها للقاء جارها الشيخ عبدالرحمن، كيف إختمرت عواطفه ونصجت إنسانيته الى هذا الحد؟ تلتقطنا عواطف غريس التي تقودها الى الشيخ كطريق حتمي.
تتجرأ الرواية بتحطيم أصنام التقاليد . غادرت غريس دارة أهلها في جونية بعد تهجيرهم من القرية لملاقاة الشيخ عبد الرحمن .كأن الحرب في مكان آخر،كأنها لم تقع فعلاً، فلم تزح غريس عن تعلقها بالشيخ رغم التفرقة.قصدت القرية لتعزيته بشقيقه في خضم المعارك شقت طريقها الى احضانه، وباتت ليلتها قربه،في مغامرة خارج المحسوب لكليهما.
يحضر الجنس بينهما بلغة رشيقة، ناعمة لا فجور فيها ولا حياء. لا تتماشى اللغة هنا مع مطلع الرواية في استحضار الكاتب الجنس بكافة تفاصيله، لرسم ملامح
” ساقطة القرية “كما تُسمى. سلوى بقدها الممشوق تستدرج انطوان” الشاعر والاستاذ وال ولا شي” .
بفيت ذكورية الشيخ عبدالرحمن خفية، رغم أنه يحدق بالمرأة ، يمازحها، يشيد بجمالها ويخرج من لسانه حلو الكلام في محادثته الاولى لغريس و ملاطفة حوراء ايضاً إبنة الحاج يعقوب ” لما تأملتها من بعيد،كانت ذات سمرة حادقة طويلة بجسم مهزول، لكنها سريعة الحركة “.
يفيض حبه لغريس ،يشجعها على الاقتران به ” ديننا ما بيمنع الرجال يتجوز مسيحية”.
-” …كيف أكون زوجة رجل لا أستطيع انا وهو أن نكون معاً، مجرد رؤيتنا معاً .أنا بشعري المكشوف وهو بجبته وعمامته، يثير العجب.أنا لا أستطيع أن أطمح لذلك أو أتصوره، أبي وأمي اللذان علما مني أني ذهبت لرؤيته ونمت عنده، ليسا غافلين، لقد شعرا بشيء.لكنهما حبسا ذلك، اغمضا أعينهما عنه حتى لا يستفزانني، لكنهما لن يرضيا بالطبع بأن اكون زوجة رجل مسلم”.
” كنت معه كأنني في حلم، وفي شبه غفوة، بحيث كانت الالوان والروائح تتوارد عليّ.بيديه اللتين إشتغلتا بالنجارة والكهرباء كان يعرف أين يُمسك وكيف يُمسك، لا يعني ذلك انه فقط صاحب حرفة وصاحب تقنية ، لقد كان يعرف كيف يتراسل مع الجسد الآخر، كيف يحك جلداً على جلد ومفصلاً على مفصل وعظماً على عظم.”
في خضم تلك العواطف المتأججة يعيد الكاتب خلق صورة المعشوق بالإبتعاد. في ساعة اللقاء الموعود، تطلب اليه ملازمة شقيقه المصاب، المنتمي لمنظمة العمل الشيوعي .
قطعت نصف الطريق اليه وإنكفأت.كأن النهايات السعيدة في الحروب لا تكتمل أبداً .
في لقائه مع ال ” ولا شي” أنطوان يقول الشيخ:
” يدهشنا غالباً ان يكون الآخر ليس مقولباً ولا من نمط.وهذه ال ” ولا شي” الموجودة ، ليس بدون قلق، في أعماقنا، تزعجنا في أنفسنا، كما تزعجنا في الآخر.”
على حد هذا التوتر تنمو العلاقات بين قبول ورضى وتمنُع.
تاريخ الحرب الذي لم يُكتب توثيقياً بعد ، ما زال محذوفاً من ذاكرة جيل كامل لم يعايشها، تعيده الرواية الى المسرح بكامل أساه وتمرده.
يدفعنا عباس بيضون بهذا النبش في روايته الى حديقتنا الداخلية خلف ” حائط خامس” لمجاراة تلك الاحداث التي اسقطتنا دون دراية منا في الاعيبها وسرقت عفويتنا.
ندخل دهاليز الحرب بضفتيها، شرقية وغربية ، بين مسيحيين متحصنين باحزاب يمينية من جهة، ومسلمين واحزاب علمانية وفلسطنيين من جهة اخرى. ندخلها مكشوفي الاعين على خطى قس منفتح على جاره الشيخ، شيخ يرمي عمامته جانباً ليلاحق معشوقته إبنة القس ويجتاز متراساً يفصل بينهما، استاذ وشاعر ( انطوان) ال ” ولا شي”جعله الثأر لأخيه حزبياً في صفوف الكتائب لنوغل معه في التعمق بالشعر الذي إختاره مهنة ككاتب في صفحة ثقافية في صحيفة” السفير” اللبنانية. تلك الخاتمة الاشكالية اوقعتنا في فخ الالتباس بين السيرة والرواية بتماهي انطوان مع صورة الكاتب نفسه.
قد تنتهي الحرب وقلقها يسكننا.تتركنا الرواية معلقين بهذا القلق . بين الصورة ونقيضها، بين صورة الأصل ونقيضه .كأن به بالرسم المتقن لشخصياته يحفزنا على القفز الى حائط خامس حتى وإن هوى.
دلال قنديل
إيطاليا.
الاعلامية دلال قنديل