لا تزال تلك البئر في دارة عمتي في بلدة شكا، ماثلة للعيان في قلبي وفي نفسي. لا زلت أذكر الدلاء والماء والحبل والحلقة والصنبور. لا زلت أذكر سلال الغسيل للعائلة، والمنشر على السطح، والتخفي بين الأثواب المدلاة، مع الأطفال.
أذكر قبلها البئر المهجورة في “كوزلاخر”، القريبة من حمص. نزلت إليها من القطار القادم من وادي خالد. كانت أيام البرتقال. صادرته الجمارك السورية، وأخلتني، لأنني بكيت: قلت لهم: خذوا البرتقال. أريد العودة إلى المدرسة. فوافقوا للحال.
وقفت إلى تلك البئر المهجورة رأيت بأم العين أشكالها الدهرية التي تحدث عنها عنترة في المعلقة. كانت الحبال القديمة قد أكلت الصخر الدهري، طيلة القرون الماضية. فهي بئر بيزنطية، ولا عجب، أن تكون محززة من شتى الأرجاء. بلا نظام ولا إنتظام، وإنما بالحبال المدلاة الباحثة عن الماء في قعرها.
كتاب أحمد راتب عرموش. رحلة العمر- (الكتاب الثالث)، إنما هو يغرف من بئر مهجورة قديمة. مليئة بالحزوز. ومليئة بالأحزان. وفيها علامات فارقة: هي محطات تاريخية من سيرة الكاتب، الذي كان ولا يزال، شاهدا على أحداث جسام، شكلت الجنبات الهامة من سيرة حياته الشخصية، المتصلة بالسيرة السياسية والعسكرية، للبنان وسوريا ومصر في الصراع مع إسرائيل، طيلة ثلاثة أرباع القرن. وليس غريبا، أن تجد فيه بئرا مهجورة غريبة، كما بئر بيتنا في شكا، وكما بئر كوزلاخر ذات يوم.
هو الكتاب الثالث من رحلة العمر ، بعد صدور كتابيه: الأول والثاني، يشهد فيه الأستاذ أحمد راتب عرموش على نفسه. وعلى ظروف حياته وعمله في لبنان. وعلى إتخاذه من بيروت موطنا له ولعائلته، بعد مغادرته سوريا، في أوائل الستينات من القرن الماضي. فالجانب الشخصي له طوابعه الذاتية: من حيث العمل، ومن حيث العائلة ومن حيث الصداقات ومن حيث المعاملات. كلها ندوب في بئر عميقة. كم نجد في العودة إليها، عملا عظيما، حين يصير المرء في المرآة. فما بالكم إذا ما كانت المرآة مقعرة.
يتحدث الكاتب أيضا، عن أحوال الحروب وعن مصائر الأوطان، وعن الخسائر التي كنا نتألم لها. وكم جميل العودة إلى الأرشيف وإلى كتب المذكرات وإلى الوثائق التي يصعب الحصول عليها. فيأتيك بها الأستاذ أحمد راتب عرموش، غنية ووافية.
يتحدث المؤلف أولا بأول، عن بدايات حياته في النشر في لبنان، بعد توطنه فيه، وهو الشامي الدمشقي العريق. شهد على أصدقائه وعلى الأحداث التي رافقت حياته عاما بعد عام.. ثم تراه ينتقل للحديث عن حرب تشرين، وكيف إنتصر السادات لأمته. وكيف وقعت أحداث العامين: 1974و 1975.
يتحدث المؤلف أيضا عن الحروب اللبنانية التي شهد عليها. وتركت أثرا عظيما في نفسه: المجازر والإغتيلات وجرائم الحروب، ونهايات التقارب السوري المسيحي المأساوية.
وخصص الفصل الرابع للحديث عن الإعتداءات الإسرائيلية وعن بعض شؤونه الشخصية، لينتقل فيما بعد للحديث المفصل عن عدوان العام1982على لبنان وإجتياح بيروت والخروج الفلسطيني إلى تونس. دون أن ينسى الحديث عن المجازر: صبرا وشاتيلا وإغتيال الرئيس بشير الجميل، وإحتلال مدينة بيروت بكاملها.
في الفصول الأخيرة، كان للأستاذ عرموش، أحاديث مفصلة عما أسماه إقتتال الحلفاء. ومعارك حبيقة، والمتاعب العائلية.
أما الفصل الثامن والتاسع، فكان للحديث عن الأعداء وعن الأشقاء وعن عهد الحكومتين اللبنانيتين، وعن إتفاق الطائف، الذي أنهى ثلاثين عاما من الحرب اللبنانية- اللبنانية.
“رحلة العمر” للأستاذ إحمد راتب عرموش، جدير بالوقوف عليه، للتعلم من الماضي، وكيفية مناقشة الأحداث بكل تجرد وموضوعية.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين ( تصوير صالح الرفاعي )







