كتب فاروق غانم خداج (،كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
تتسارعُ الخطواتُ حتى يكادُ المعنى يلهثُ خلفها، وتعلو الصورةُ على الكلمةِ، ويكبرُ الاسمُ قبل أن تنضجَ التجربةُ، ويغدو اللمعانُ معيارًا سابقًا على النورِ ذاتِه. لسنا أمام تفصيلٍ عابرٍ في المشهدِ الثقافيِّ، بل أمام تحوّلٍ يمسُّ جوهرَ الكتابةِ ومعنى الإبداعِ. نسألُ بهدوءٍ متأمّلٍ: هل تسابقتِ الكتابةُ حتى صار كلُّ من شاء كاتبًا؟ وهل تكفي الجاذبيةُ البصريّةُ والشهرةُ السريعةُ والدعمُ المتبادلُ لتعليقِ لقبِ «شاعرٍ» فوق صورةٍ لافتةٍ، أو وضعِ لقبِ «ناقدٍ» إلى جانب حضورٍ اجتماعيٍّ متقدّمٍ؟
هذا السؤالُ لا يُرادُ به الاتهامُ، ولا تحرّكه رغبةٌ في التهكّمِ، بل هو محاولةٌ لاستعادةِ المعيارِ الضائعِ. أهي الصورةُ التي تمنحُ الكلمةَ شرعيّتَها، أم الكلمةُ التي تمنحُ الصورةَ معناها؟ الكتابةُ في أصلِها ليست زينةً اجتماعيّةً ولا بطاقةَ تعريفٍ براقةً، بل ارتجافٌ داخليٌّ ومخاضٌ طويلٌ بين الفكرةِ وصاحبِها. هي لحظةُ صدقٍ يواجهُ فيها الكاتبُ نفسَه قبل أن يواجهَ جمهورَه، وتجربةُ وعيٍ تتراكمُ ببطءٍ حتى تكتسبَ صوتَها الخاصَّ ونبرتَها المميّزةَ.
كان الشاعرُ يُعرَفُ من هشاشةِ بيتِه وقدرتِه على لمسِ جرحٍ خفيٍّ في قارئٍ لا يعرفُه. وكان الناقدُ يُقاسُ بعمقِ قراءتِه واتساعِ أفقِه، لا بهيبةِ حضورِه ولا بلمعانِ صورتِه. كانت الكلمةُ تحتاجُ عزلةً وصمتًا وزمنًا كي تنضجَ كما تنضجُ الثمرةُ بعيدًا عن العيونِ المستعجلةِ. لم يكن الاعترافُ سريعًا، بل ثمرةَ مسارٍ طويلٍ من القراءةِ والتجربةِ والمساءلةِ والترددِ الخلّاقِ الذي يصقلُ التجربةَ ويمنحُها ثباتَها الداخليَّ.
أمّا اليومَ، فالنشرُ لحظةٌ، والانتشارُ ثانيةٌ، والتصفيقُ ثالثةٌ. اللقبُ يُعلَنُ قبل أن تتكوّنَ التجربةُ، والصورةُ تُحاطُ بعباراتِ الإطراءِ حتى تكتسبَ في الوعيِ العامِّ صفةَ الحقيقةِ. يتكرّرُ المشهدُ حتى يبدو طبيعيًّا، وتُعادُ الأسماءُ حتى تصبحَ جزءًا من المشهدِ الثقافيِّ، وكأنَّ التكرارَ يصنعُ القيمةَ، وكأنَّ الضوءَ دليلُ العمقِ.
هنا تتجلّى ثنائيّةٌ دقيقةٌ: الظهورُ والإبداعُ. الظهورُ حالةٌ بصريّةٌ سريعةٌ تُقاسُ بعددِ الإعجاباتِ والمشاركاتِ، وتتحكّمُ بها إيقاعاتٌ رقميّةٌ تُفضّلُ ما يجذبُ الانتباهَ. أمّا الإبداعُ فحالةٌ روحيّةٌ بطيئةٌ تُقاسُ بالأثرِ الذي يتركُه النصُّ في نفسِ القارئِ، ولو لم يُعلّقْ عليه. الظهورُ يحتاجُ إلى صورةٍ لامعةٍ، أمّا الإبداعُ فيحتاجُ إلى تجربةٍ حقيقيّةٍ وصدقٍ داخليٍّ وشجاعةٍ في مواجهةِ الذاتِ.
ما نعيشهُ ليس انحطاطًا محتومًا، بل ارتباكًا معياريًّا عميقًا. والارتباكُ، على قسوتهِ، يحملُ في داخلِه إمكانيةَ التصحيحِ. نحن أمام اختلاطٍ بين الجوهرِ والمظهرِ، بين عملٍ يُبنى عبر سنواتٍ من القراءةِ والتجربةِ، وعملٍ يُسوَّقُ بسرعةٍ عبر صورٍ متقنةٍ وعباراتٍ محسوبةٍ. وفي هذا السياقِ تقفُ المؤسساتُ الثقافيّةُ أمام امتحانٍ دقيقٍ: هل تبقى معاييرُها مرتبطةً بالنصِّ، أم تنجرفُ نحو وهجِ الشهرةِ الآنيّةِ؟
حين تُكتبُ كلمةُ «شاعرٍ» فوق صورةٍ لامعةٍ، قد يختلطُ الأمرُ على المتلقّي: أهو إعجابٌ بالقصيدةِ أم بالانعكاسِ البصريِّ؟ وحين يُقرَنُ لقبُ «ناقدٍ» بصورةٍ ذاتِ حضورٍ اجتماعيٍّ، هل نحترمُ التحليلَ أم الهيبةَ؟ الوهمُ لا يأتي صاخبًا، بل يتسلّلُ عبر التكرارِ الذي يعيدُ تشكيلَ الذائقةِ من حيثُ لا نشعرُ.
وتبدو بعضُ الأمسياتِ والمنصّاتِ مثالًا حيًّا على هذا الالتباسِ؛ حيثُ يُقدَّمُ الاسمُ قبل النصِّ، وتُعرضُ الصورةُ قبل الفكرةِ، ويُبنى الانطباعُ الأوّلُ على المظهرِ لا على المحتوى. يدخلُ القارئُ وفي ذهنِه صورةٌ مسبقةٌ، فيصغي بعينِه أكثرَ مما يُصغي بعقلِه. ومع تكرارِ هذه الآليّةِ، تتحوّلُ إلى عادةٍ ثقافيّةٍ يصعبُ كسرُها، ويغدو السريعُ معيارًا، والبطيءُ استثناءً.
غير أنّ مسؤوليةَ الكاتبِ تبقى ثابتةً: أن يكتبَ كما لو أنّ لا أحدَ يصفّقُ. أن يكتبَ وفاءً لتجربتِه، لا سعيًا خلف صورةٍ أو لقبٍ. وأن يُدركَ أنّ النصَّ الذي يُكتبُ من أجلِ الاعترافِ السريعِ ينتهي بانتهائِه، أمّا النصُّ الذي يُكتبُ بحثًا عن معنىً فيبقى، ولو تأخّرَ الاعترافُ به. وقد يكونُ الترددُ الخلّاقُ والمساءلةُ المستمرّةُ جزءًا من هذا الصدقِ الذي يمنحُ الكتابةَ عمقَها الحقيقيَّ.
ولا تقلُّ مسؤوليةُ المتلقّي أهميةً؛ فكلُّ إعجابٍ موقفٌ ضمنيٌّ، وكلُّ مشاركةٍ إسهامٌ في تشكيلِ الذائقةِ العامّةِ. الجمهورُ شريكٌ في صناعةِ المشهدِ، لا متفرّجٌ فقط. حين نمنحُ وقتَنا للنصِّ العميقِ، نعيدُ الاعتبارَ للمعنى. وحين نصبرُ على قراءةٍ تتطلّبُ تركيزًا، نُسهمُ في ترسيخِ قيمةِ العمقِ في فضاءِ مزدحمٍ بالصورِ.
لسنا مطالبينَ بإقصاءِ الصورةِ، فهي جزءٌ من أدواتِ عصرِنا، لكننا مطالبونَ بترتيبِ العلاقةِ بينها وبين الكلمةِ. الصورةُ بلا معنىً قد تُدهشُ لحظةً، لكنها لا تُغيّرُ إنسانًا. أمّا الكلمةُ الصادقةُ فقد لا تُبهرُ فورًا، لكنها تُنيرُ طويلًا وترافقُ قارئَها في صمتٍ عميقٍ. الخيارُ في جوهرِه أخلاقيٌّ قبل أن يكونَ فنّيًّا: لمعانٌ سريعٌ أم إضاءةٌ دائمةٌ؟ اعترافٌ فوريٌّ أم ثقةٌ يمنحُها الزمنُ؟
الزمنُ ناقدٌ عادلٌ يفرزُ الصدى العابرَ عن الصوتِ الحقيقيِّ، ويتركُ ما يستحقُّ البقاءَ. وحين تقودُ الكلمةُ الصورةَ، لا العكسُ، يستقيمُ الفنُّ، ويستعيدُ الإبداعُ إنسانيّتَه. عندها يصبحُ الظهورُ نتيجةً طبيعيّةً للنورِ، لا قناعًا يخفي غيابَه. وهذا هو معنى الفنِّ الذي يستحقُّ أن يبقى.







