شرفُ العَمَلِ أم عَمَلُ الشَّرَف؟
تأمّلات في كتابة صباح بريش قرقوط
كتب فاروق غانم خداج ( كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
في ليلةٍ لا تُقاسُ بالسّاعات، بل بما تتركه من أثرٍ داخليّ، أمسكتُ كتاب «العملُ شرفُ الكتابة» للدكتورة صباح بريش قرقوط (كتاب–ناشرون، بيروت، الطبعة الأولى 2019). لم تكن القراءةُ استهلاكًا معرفيًّا، بل مواجهةً هادئةً مع سؤالٍ جوهريّ: ماذا يبقى من الكتابة حين تُجرّد من الضجيج؟ وما الذي يجعلها شرفًا يُستحقّ؟

أهدتني الكاتبةُ الكتابَ لا كنصٍّ جاهزٍ للثناء، بل كدعوةٍ للتأمّل في معنى الكتابة ومسؤوليّتِها. منذ الصفحات الأولى، يتّضح أنّ صباح بريش تكتب من أرضٍ خبرتها مُعلّمةً ومُربّية. لغتُها بناءٌ ومسؤولية، لا زينة.
ليست صباح بريش ممّن حملن اللقب قبل الوعي. هي دكتورةٌ أضافت إلى شهادتها موهبةً لا تستبدلها، وصنعت حضورها من فيض المعرفة، لا من فائض العلاقات.
في هذا الكتاب يظهر إيمانٌ بأنّ الكتابة لا تُمنَح بل تُستحقّ، وأنّ الشَّرَف يتكوَّن في الفِعل، لا في العناوين.
لا يقدّم الكتاب دروسًا تقنيّةً في الأسلوب، بل يعيد الكتابة إلى موقعها كفعلٍ إنسانيٍّ أخلاقيّ: عملٌ يتطلّب انضباطًا وصبرًا ووعيًا بالذّات والآخر. يتحوّل القارئ من متلقٍ سلبيّ إلى شريك، والنّص مساحة تدريب على التفكير، بخلفية تربوية واضحة لا تخنق الحركة. توازن محسوب بين العُمق والوضوح، بين السؤال وإمكانية الجواب.
اللافت إعادةُ الاعتبار للعمل في زمن الثقافة الرقمية السريعة، حيث تُقاس الكتابة بعدد الإعجابات لا بثمن الفكرة. الكتاب يقف ضد تحويل الحرف إلى سلعة، وضد اختزال القيمة في الأرقام.
الشَّرَف، كما يفهمه النص، في الاستمرار والانضباط والصدق مع اللغة والنفس، والقناعة تنساب في نسيج الكتاب مستمدة قوتها من تجربة الكاتبة في التعليم وأدب الطفل.
ويبرز موقف الكتابة والثقافة بوضوح أكبر في نص مباشر من الكتاب (ص ٣٦):
“نحن اليوم نعيش في عالم أصبحت الثقافة فيه ليست من الأولويات… أصبح الإعلام أزمة، والثقافة أزمة مأزومة… الثقافة المزيفة تؤدي بالمجتمعات إلى الانحدار… ثقافة الانفتاح ولغة التّحاور توصل المجتمعات إلى الرقي… هل يعي قادة الشعوب وقادة الفكر هذه الحقيقة؟!”
هذا الاقتباس يبرهن أنّ ثقافة الكتابة عند صباح بريش ليست مجرّد لهو فكري، بل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية. يعكس رؤية تربط العمل الكتابي باللغة والثقافة والإنسانية، ويظهر كيف أنّ اختزال القيمة في الضجيج الإعلامي يُضعف الوعي العام.
د. صباح بريش قرقوط
من يقرأ أعمالها القصصيّة ثم يعود إلى هذا الكتاب يدرك أنّ المشروع واحد: الكتابةُ تربيةٌ وبناءُ وعي، هدفها إنسانٌ فاهمٌ لا قارئٌ عابر. تستعاد علاقة الكاتب بالواقع حوارًا لا هروبًا، وموقفًا لا انعزالًا. الكتابة مسؤوليّة ثقيلة، لا تجامل القارئ بوهم السهولة، بل تضعه أمام حقيقة: القراءة، كالكتابة، عملٌ يتطلّب جهدًا.
لغة الكتاب متينةٌ من دون تصلّب، ودافئةٌ من دون إنشاء. حسٌّ وجدانيٌّ مضبوطٌ بوعي نقديٍّ يدعو للتأمّل. وحين تُغلَق الصفحات، لا يشعر القارئ أنّه أنهى كتابًا، بل خرج من حوارٍ طويلٍ مع معنى الكلمة.
في بلدٍ له إرثه الثقافي، حيث ظلت الصحافة والفكر ساحات مساءلة عامة، يبدو هذا الكتاب امتدادًا لخطٍّ لبنانيٍّ قديم يرى في الكتابة فعلًا مدنيًا، لا مجرّد مهارةٍ فردية. امتداد يُذكّر بأن للّغة دورًا في تشكيل الذائقة والمسؤوليّة معًا، وأن الثقافة لا تُبنى بالعجلة.
وسط عالمٍ تتكاثر فيه النصوص وتقلّ فيه المسؤولية، يقول «العملُ شرفُ الكتابة» بهدوءِ الواثق: الكتابةُ شرفٌ يُصان بالعمل. وهكذا يعود بنا السؤال إلى العنوان: هل نكتب للشَّرَف أم نتشرّف بالعمل؟
الجواب ليس مجرد عنوان، بل موقف فكريٌّ متكامل وتجربةٌ تستحق التأمل، لأنها تعيد السؤال إلى مكانه الصّحيح: ما يبقى ليس عددَ الكلمات، بل صدقَها. وذلك، في زمن الضجيج، شرفٌ نادر.
الكاتب فاروق خدّاج







