كاره وكواره: نافذة على ذاكرة الضيعة اللبنانية
كتب فاروق غانم خداج ( كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني):
صدر حديثاً للروائية والحكواتية اللبنانية كارولين زعرب طايع كتابها الجديد «كاره وكواره»، وقد قدّم له الشاعر اللبناني الكبير هنري زغيب بمقدّمة لافتة، ليكون العمل رحلة أدبية تأخذ القارئ إلى أعماق التراث الشعبي اللبناني، حيث تختلط الحكاية بالوجدان، وتُعاد الحياة إلى تفاصيل الريف التي شكّلت وعي المجتمع اللبناني لعقود طويلة.

الكتاب، الصادر باللغة المحكية، يفتح نافذة أمام الجيل الجديد للتواصل مع جذوره الثقافية والاجتماعية، ويحوّل الماضي من مادة حنين إلى مرآة لفهم الحاضر وبنائه.
كارولين زعرب طايع والشاعر هنري زغيب خلال قراءة ل ” كاره وكواره ” ( تصوير يوسف رقة )
لم يكن اختيار عنوان الكتاب عابراً؛ فـ«الكاره» تشير إلى الوسادة القماشية التي كانت تُحمل فيها أرغفة الخبز بعناية الأمهات وحنان الجدّات، لتغدو رمزاً لبساطة الحياة وطقوسها اليومية، فيما «الكواره» المصنوعة من القش والطين كانت خزانة الأسرار، تحفظ المؤونة والذكريات، وتختزن روائح الزمن الجميل وطمأنينة البيوت التي بُنيت من الحب أكثر مما بُنيت من الحجر. بهذا العنوان، تعيد الكاتبة القارئ إلى بيت الجدّة والغرف الطينية ودفء الضيعة، مؤكدة أن بعض الأشياء، وإن غابت عن أعيننا، تبقى حيّة في الذاكرة ودفء القلب.
يضم الكتاب ثلاث عشرة حكاية نابضة بالحياة، تبدأ من قصة «زخيا» العاشق للطبيعة، وصولاً إلى «تجا» التي تكتشف أن للسماء توقيتاً لا يشبه توقيت الأرض، مروراً بـ«إم سمير» وزهرة الملح، و«أبو نجيب» وحقوله، و«ديب» وشتلة التبغ. تحمل كل حكاية رسائل عميقة عن قيم مهددة بالغياب: القناعة، الاحترام، محبة الحياة، الحشمة، والوفاء للأرض.

وبأسلوب حكواتي يمزج بين المتعة والحنين، تتيح الكاتبة للقارئ استعادة ملامح الحياة الريفية الأصيلة، بعيداً عن بهرجة الحاضر وتسارع إيقاع العصر.
ويبرز في الكتاب بُعدٌ توثيقيّ مهم، إذ يسلّط الضوء على زراعة التبغ، وظروف دخولها إلى القرى اللبنانية، وأساليب زراعتها ومعالجتها، كما يتوقف عند صناعة الحرير في لبنان خلال عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، موثقاً مرحلة أساسية من التاريخ الاقتصادي والثقافي، ومظهراً كيف شكّلت هذه الصناعات ركناً من أركان الاقتصاد الريفي المحلي، وحياة الناس اليومية.
ومن السمات اللافتة في «كاره وكواره» اهتمام المؤلفة بالأطفال والمراهقين، وهو امتداد طبيعي لمسيرتها الأدبية والإنسانية. فقد سبق لكارولين طايع أن أصدرت روايتها الأولى «كركر خيطان»، المستوحاة من علاقتها الخاصة بوالدتها، كرسالة امتنان وتقدير، ودعوة للأجيال الجديدة إلى احترام النصيحة والحفاظ على القيم الأسرية والاجتماعية. ويكتمل هذا المسار من خلال إدارتها لمركز «بيت الرجاء» للأطفال المعرّضين للخطر، حيث تلتقي الكتابة بالفعل الاجتماعي، ويغدو الأدب ممارسة حيّة تُعيد للطفولة مكانتها وكرامتها.

وقد تحوّل حفل توقيع الكتاب إلى تجربة إنسانية حيّة، حين قُدّمت بعض الحكايات على خشبة المسرح بأداء أطفال المركز، في مشهد جسّد روح الضيعة اللبنانية، حيث الحكاية ليست كلمات على الورق فحسب، بل حياة تُروى وتُعاش. وجاء تخصيص ريع الكتاب كاملاً لدعم أنشطة المركز تأكيداً على التزام الكاتبة بالبعد الإنساني إلى جانب البعد الأدبي.
ما يميّز «كاره وكواره» أيضاً هو اعتماده العامية اللبنانية لغةً للسرد، بما يمنح النص صوتاً حيّاً للذاكرة الشعبية، ويجعل الموروث الثقافي قريباً من القلب والعقل معاً، من دون أن يشعر القارئ بالقطيعة مع لغة العصر. وهنا تتجلّى علامة الكتاب الأدبية بوصفه عملاً حكواتياً تراثياً إنسانياً، يشكّل جسراً بين جيلين، ويقدّم التراث لا كحنين جامد، بل كوسيلة لفهم الهوية الذاتية والاجتماعية في عالم سريع التحوّل.
شخصياً، أعجبتني الطريقة التي تلامس بها الكاتبة الحياة اللبنانية الأصيلة، بأسلوب يوازن بين الوجدان والتحليل، وبين الوثائقي والخيال، وبين الماضي والحاضر. أسلوب كارولين طايع يُنقذ التفاصيل الصغيرة من النسيان، ويمنحها بعداً جمالياً وفلسفياً، فيتحوّل كل «كاره» و«كواره» إلى رمز للحياة والعلاقات الإنسانية، ولتراث يستحق أن يبقى حيّاً في الذاكرة الجماعية.
كارولين زعرب طايع
الكتابة في هذا الكتاب ليست مجرّد سرد، بل حوار مع الزمن؛ حوار يدعو القارئ إلى التأمل في بساطة الحياة الريفية، والتوقّف عند فصاحة الأشياء الصغيرة، والتذكير بأن القيم التي حملها الأجداد ليست طقوساً عابرة، بل أسس وجودية تمنح الحياة معناها وعمقها. وفي زمن التشظي الاجتماعي والاقتصادي، يبدو هذا الكتاب كخيط وديّ يصل الماضي بالحاضر، ويجمع القلب بالذاكرة.
في المحصّلة، «كاره وكواره» ليس مجرد كتاب، بل مشروع مقاومة ثقافية في وجه نسيان التراث واندثار الحكايات. من خلاله نتعلّم كيف نحفظ ذاكرتنا، وكيف نعيد الاعتبار للتفاصيل، وكيف نستعين بالماضي لا للانكفاء، بل لإحياء الذات وفهم المجتمع، وذلك بلغة سلسة، وجمل متقنة، وعامية نابضة بالحياة.
الكاتب فاروق خدّاج







