كتب يوسف رِقَّة :
.. منذ بدايته مع المسرح لم يخرح يحيي جابر عن مسيرة ” ابتسم أنت لبناني ” لتستمر و تنقل إلينا المتعة ، الضحكة الممزوجة بالمرارة ، في رسالة يطلقها مسرحا يحمل ألمًا وفكاهة ، ممزوجة برؤية إخراجية تحترم قواعد المشهدية ( السينوغراف ) فتكسر المألوف و تهدم التقليدية البالية في المسرح الكلاسيكي .
قد يعتقد البعض ، بأنّ الأعمال المسرحية ل يحيي جابر هي ” أسهل الممكن ” في غياب الانتاح والدعم للمسرح اللبناني ، يعتقدون بأنّ العرض المونودرامي والديكورات غير الموحودة تخفف الأعباء و كلفة الانتاح ، قد يكون ذلك صحيحا ، ولكن أن تشاهد عرضا مسرحيا بأدوات بسيطة وممثلا واحدا ، ولا تشعر بأيّ خلل ، فتستمتع ، تصفق ، تضحك وتدمع ، فهذا هو الإنجاز العظيم في استمرارية ونهوض المسرح اللبناني إبداعا وتألقا رغم أنف المحاولات الدؤوبة لتهديم الهيكل .
كثيرون لا يدركون المجهود الكبير الذي يبذله المخرج في مخاض ولادة العرض ، ولا ” الجلد ” الذي يتعرض له الممثل الواحد على الخشبة ليظهر أمام الجمهور بأحلى حلة تقنع جمهور الملاعق والصحون بالدور الذي يلعبه.
فكيف هي الحال إذا كان الممثل المونودرامي سيلعب أكثر من شخصية وأكثر من دور في عمل واحد ؟
ماريا الدويهي في مشهد من مسرحية ” القرنة البيضاء ”
هذا ما نجحت به ماريا الدويهي في مسرحية ” القرنة البيضاء ” التي تعرض وحتى 24 شباط ( فبراير ) المقبل على مسرح مونو في الأشرفية ، ويستمر العرض في حيز يعلن عنه و لسنوات ، كما هي حال مسرحيات يحيي جابر جميعها.
” مجدرة حمراء ” وشو منلبس “( للممثلة أنجو ريحان ) تعرضان أيضا بالتوازي مع المسرحية الجديدة ل ماريا الدويهي .

الخشبة خالية ألا من كرسي خشبي صغير و trepied peinture مغطى بقماش وفوقه قبعة تتغيّر بين مشهد وآخر للتعبير عن الشخصية التي تلعبها الممثلة مع إطار فارغ تملأه الممثلة في بعض المشاهد .
ماريا الدويهي ، أثبتت قدرتها العالية ، تدخل الى الشخصية وتخرج منها لتلعب شخصية ثانية بخفة ، باذلة طاقة تمثيلية هائلة في اللعب مع شخصياتها بين زغرتا وإهدن وبشري ، لم تكن الشخصيات متشابهة ، ورغم ذلك تمكنت عبر حركتها وتغيير طبقاتها الصوتية وأدائها ، في الدور الذي تجسده وتعرضه و تتناوله من إقناعنا ودهشتنا .
ماريا الدويهي في ” القرنة البيضاء ”
سِمة ” الحضور ” عند ماريا الدويهي كممثلة على الخشبة عالية وقوية ، فهي تتنقل بخفة ، تعيش الشخصية ، اللّهجة ، القسوة ، السذاجة أحيانا ، تحاور بعضها البعض ومع الآخر المتخيّل ، تغني ، ترقص وتتحول إلى صليب في رحلتها الأخيرة من العرض .
” القرنة البيضاء ” عرض مسرحي متكامل : مؤثرات صوتية ، موسيقى مناسبة ، إضاءة ، نص مشغول ومتين وحوارات مدروسة بتقنية الجوهرجي .
عرض ركيزته الأساسية ممثلة مدهشة هي ماريا الدويهي ، لا يمكنني أن أتصور هذا العرض قد ينجح دون حضورها . وكأن ماريا الدويهي تقلب المعادلة في المسرح ، فالبطولة للممثل أولا ثم للنص ، وقد نجد يحيي جابر في مشاهد كثيرة قد نفخ روحه في جسد ذلك الممثل وتلك الممثلة .
المُقرَّب من يحيي جابر يدرك تماما بأنّ تلك الوجبة الدسمة التي يقدمها على الخشبة ، تتضمن هضامته و”سآلته” المحببة ، لقياه و تهكمه ، دمعته وضحكته ، كل ذلك نلتقطه على الخشبة متجسدا في الممثل الذي يختاره ليس تحديدا في ” القرنة البيضاء ” بل في جمبع أعماله المسرحية التي شاهدناها حيث كنا نجد ال يحيي ممثلا دون جسده على خشبة المسرح .
ماريا الدويهي وحضورها على الخشبة
” القرنة البيضاء ” عمل قد يصنّف في إطار ما يعرف بمسرح الحكواتي ، لكنه في الحقيقة أكثر من ذلك ، هو عمل مسرحي تمتزج فيه مدارس مسرحية عديدة من المعقول إلى اللامعقول ، هو مسرح يحيي جابر .
في جميع أعمال يحيي جابر الإخراجية للمسرح : ” ابتسم أنت لبناني ” ” بيروت الطريق الجديدة ” ،” يللي خلق .. علق ” ، ” يا يحيي خذ الكتاب بقوة ” ، ” بيروت فوق الشجرة ” ، ” إسمي جولبا ” ، ” تعارفوا ” ، ” مورفين ” ، “مجدرة حمرا” ، ” هيكللو ” ، ” من كفرشبما للمدفون ” ، ” شو منلبس ” والآن مسرحية ” القرنة البيضاء ” كل تلك الأعمال تفضح الواقع وترمي إلى تغيير مفاهيمه إلى دعوته لوطن لاطائفي ، متمسكا بالتنوع الذي يميّز لبنان والذي يحاول إظهاره من خلال أعماله المسرحية . أهم صرخة في ” القرنة البيضاء ” كانت ” أولادنا لنا.. أرضنا لنا ” .
” القرنة البيضاء ” ما تزال تصرخ بلسان ” ابتسم انت لبناني ” وتردد مع أعماله جميعها : ويل لأمة …
هي القرنة التي تنظر من فوق الى قاع المجتمع كي ترى وتعرّي ، تحاول كسر التقاليد السائدة لتكشف وجها جديدا من وجوه بيئتنا اللبنانية ، لنعش الحقيقة دون زيف .
.. يا سادتي لكل بيئة خصوصيتها ، يا سادتي هذا هو لبنان .
ابتسم أيها الجمهور ، أنت في عرض مسرحي جديد ل يحيي جابر.
المخرج يحيي جابر مع رئيس تحرير ” ميزان الزمان” يوسف رقة خلال عرض الافتتاح








