ليست للقطع
شجرة ذات أنواط!
تاريخ الإحتفال بأسبوع الشجرة، قديم عندنا. كان الناس يخرجون في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر، يقصدون شجرة عظيمة في محيطهم، ويعملون على تزيينها. يمضون نهارا أو نهارات عندها. يعلقون الذبائح. ويتحلقون للطعام. ويفترشون الأرض تحتها، لتمضية أسبوع من الليالي الهادئة. فيها من الرخاء والسخاء والخلو، ما فيها من الخشوع والتعبد، وصفاء الروح. وكذلك الرجاء والتبرك والبركة.
وكان الناس يمدون أسبوع الشجرة إلى منتصف أو أواخر الشهر الحادي عشر من السنة. وربما إمتد أكثر من ذلك، حتى طال إلى الشهر الثاني عشر. فيكون الإحتفال الكبير به في ذكرى الميلاد المجيد. وقد ملأوا الجبال والوهاد والبطاح بالأغراس الخضراء. تيمنا وإيمانا بيوم الشجرة.
وفي التقاليد القديمة، إن أسبوع الشجرة، إنما هو الأسبوع الأخير الذي يطال رأس السنة الجديدة. ولهذا شاع عند القدماء الإحتفال بأسبوع الشجرة، في مطلع العام الجديد، إحتفاء بميلاد السيد. وصار الناس إلى تزيينها وتجميلها، لتزيين المناسبة وتجميلها. بإعتبار مكانتها عندهم. وأنها تحمل في جذوعها وفي فروعها وفي غصونها، كل الخير والبركة.
وأقدم ذكر للشجرة وأسبوعها، هو ذكر الشجرة الموصوفة، ذات الأنواط التي جرى بالقرب منها صلح الحديبية، زمن النبي. وشهده عدد غفير من الصحابة، وفي طليعتهم: أبو بكر، وعمر وعلي. أما المناسبة، فقد وقعت على أثر شيوع خبر بين المسلمين، يقول بإقدام قريش على قتل عثمان، الذي بعثه النبي مفاوضا لهم، للإعتمار في البيت. فسميت البيعة : بيعة الشجرة. أو بيعة تحت الشجرة. أو بيعة الرضوان. أو بيعة الشيعة تحت الشجرة.
وعندما سأل بعض الصحابة، الذين حضروا بيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة؛ عن الشجرة وزينتها، قال النبي: إنها ذات أنواط. فعرفت عندهم منذ ذلك التاريخ ب “شجرة ذات أنواط”. إذا كان يعلقون عليها، ما يحملون لها، من أسباب التجميل والتزيين والتبجيل والتكريم. بحيث يكون كل ذلك لائقا بها. وذلك في أسبوعها أو شهرها الأخير من السنة الميلادية، الذي يستقبل السنة الجديدة. تفاؤلا منهم بالخير والبركة.
تاريخ شجرة الميلاد، من تاريخ البشرية كلها. كستها مناسبة الميلاد حلة جديدة. وصارت معروفة بها. تتزيا وتتزين في الأسبوع الأخير، من السنة القديمة، لتكون في رأس الإستقبال للسنة الجديدة. وسارت الأقوام والشعوب، على صورة ما عرفوا وما سلكوا وما نهجوا، حتى بات الإحتفال بيوم الشجرة، إحتفالا عالميا، لا تختص به طائفة. ولا يختص به بلد. إلا بمقدار الإحتفاء به وتعظيمه، ليكون وقعه في القلوب على الصورة الأشهى.
وجرت بعد ذلك على عادة الناس، بالفرح والإبتهاج، رأس كل السنة، بغرس الأشجار وتزيينها، لا بقطعها وسرقتها، وجعلها في صالات الإستقبال إمعانا في تعظيم الدارات. وللتفاخر بينهم. وأي هو الأعظم في الحارة والشارع والمدينة. بل أيهم أعظم شجرة!
هكذا كانت هجرة ذات أنواط، من بطاح مكة، إلى كل الجزيرة العربية. وإلى عموم البلاد التي نزل بها أهلنا. عرفوا الوفاء للشجرة السيدة “ذات أنواط”. وصار لكل محلة شجرة، يخرج الناس إليها لطلب البركة في مطلع كل عام. ولا يخرجون لقطعها وتعليقها في داراتهم وساحاتهم وبيوتهم. فيزيفون المناسبة، ويسئون للشجرة وتاريخها. ولا يحفظون لها مكرمتها وعزها، عند أجدادنا الذين كانوا أكثر وفاء لها منا.
إزرع ولا تقطع، كان شعار أهلنا، منذ قديم الزمان، فهل لا نزال على عهدهم، خصوصا مع إقتراب المناسبة وحلولها بيننا.
إنها لمناسبة، تستحق أن نغرس لها الأشجار في الجبال، لا أن نخرج للبحث عنها. فنقطعها ونأتي بها إلى داراتنا.
فنحن نمضي نصف عمرنا، حتى نرى بأعيننا جمال صنوبرة العمر، فلماذا نذهب لقطعها، أنفسنا بأنفسنا!.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







