كتب فاروق غانم خداج ( كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
كانت الشمس تميل نحو الغرب في قرية بعقلين الهادئة بجبل لبنان، حين وقفتُ أمام البناء الحجري العتيق. حجر يروي قصص قرون، كقلعة تحرس سكون الجبل وتاريخ المعرفة. لم أدخل مكتبة فحسب، بل عالم إنسان: عالم غازي صعب.
في دهليز يملؤه عبق الورق القديم، رأيته واقفًا كحارس للزمن الجميل. ابتسامته الهادئة سبقت الكلام، فشعرت أنني معروف لديه قبل أن أعرّف عن نفسي. هذا الحضور الوديع جعل من غازي صعب، على مدى عقود، روحًا للحركة الفكرية، ووجهًا تنويريًا في لبنان، وواجهة حضارية تتجاوز مجرد إدارة مكتبة لتصبح رمزية للنهضة الفكرية والثقافية.
الأستاذ غازي صعب
السيرة: من الكحلونية إلى بيت المعرفة
وُلِدَ غازي صعب عام 1949 في الكحلونية، حيث علّمته الطبيعة الخضراء وصوت النواعير الصبر والتأمل. كانت طفولته مليئة بمشاهد الحياة البسيطة التي تشكلت في وجدانه، وأكسبته قدرة على الملاحظة والتفكير العميق. تنقّل بين الكويت ولبنان، صقَلَتْ معرفته، مؤمنًا أن المعرفة ماء يروي الروح مهما قسُتْ الصحارى، وأن الكتب هي الجسور التي تعبر بالإنسان من المجهول إلى النور.
أُسِسَتْ المكتبة الوطنية في بعقلين عام 1987 بمبادرة من وليد جنبلاط في السرايا الأثرية — سجنٌ يومًا — فحوَّلها غازي إلى فضاء يرحب بالناس قبل الكتب. توسّعت المكتبة لتضم آلاف الكتب والدوريات، وتنظم أكثر من 100 فعالية سنويًا تجمع حوالي 3000 زائر، من مختلف الأعمار والخلفيات الفكرية. هنا يصبح الغريب صديقًا، والكتاب جسرًا بين القلوب، والمعرفة فعلًا حقيقيًا ينهض بالإنسان والمجتمع، ويحقق تجربة حضارية حية لا تقف عند مجرد القراءة.
اللقاء: تصافح الروح قبل اليد
في لقائنا، تحدّث غازي عن الناس قبل الكتب، وعن دوره في تحويل المكتبة إلى فضاء يرحب بالزوار ويحفّز الحوار والمعرفة. وكان ضمن حديثنا إشارة إلى المعلم كمال جنبلاط، الذي يشكّل قاسمًا مشتركًا لأفكارنا، وأستاذ مدرسة كلانا الفكرية. ناقشنا فكره العالمي ورؤيته في رفع الإنسان من خلال المعرفة، ودوره في دعم المكتبات كمراكز ثقافية تنمي العقول وتشكل قلوب المجتمعات. ناقشنا كيف أن جنبلاط كان يؤمن بأن المكتبات ليست مجرد مبانٍ تحفظ الكتب، بل فضاءات تنشئ العقول وتغذي الروح، وهو النهج الذي طبّقه غازي في مكتبة بعقلين، جامعًا بين التراث والحداثة وبين الفكر والفعل، وبين الفلسفة العملية والرؤية الإنسانية.
«المكتبة ليست للكتب وحدها، بل للناس الذين يحملون أسئلة في صدورهم وشغفًا في عيونهم.»
جلستُ إليه كحكيم على ضفة نهر الحكمة. حديثه ندي كندى الجبال، ينساب بعمق، ويؤكد أن الثقافة كرامة إنسانية وسلاح تحرر ضد الجمود والسطحية. فتحت المكتبة قاعاتها للندوات، وبسطت طاولاتها لتوقيع الكتب، ووسّعت أبوابها لكل باحث عن بصيرة، حتى صارت كل زاوية منصة لتلاقي الأفكار ونقل المعرفة بطريقة حية ومباشرة.

المكتبة: جدران تنبض حياة
تحت إشراف غازي، صارت الرفوف شوارع معرفية: شاعر يهمس بقصائده لأول مرة، طلاب يناقشون فلسفة الحرية، كاتب ناشئ يوقع أول كتاب له — وغازي يراقبه بفخر الأب. يرى في كل زائر منارة محتملة، إذ الحرف مقدس سواء خرج من قلم مجرّب أو من قلم يخطو خطواته الأولى.
المكتبة لا تقتصر على حفظ الكتب، بل تنبض بالحياة من خلال خدماتها المميزة:
الإعارة المجانية،
الورش الأدبية والفنية الأسبوعية،
الأمسيات التي تتحول فيها القاعات إلى ساحات حوار بين الأدباء وجمهورهم.
كما تحتضن المكتبة ندوات ومؤتمرات دورية، تجمع كبار المثقفين مع الشباب والطلاب، لتصبح كل زيارة تجربة معرفية تفاعلية ومُلهمة.
مؤلفاته وإرثه الفكري
يوقّع غازي كتابه الجديد شذرات من الأعماق (دار الأنام)، الذي يضم تأملاته وأفكاره حول الثقافة والفكر والإنسانية، ويعكس دوره المستمر في التأليف ونشر المعرفة. هذا الكتاب يضيف إلى مكتبة بعقلين إضافة نوعية تُثري الحركة الفكرية اللبنانية وتتيح للزائرين والباحثين نافذة على رؤية غازي العميقة للحياة والكتاب والإنسان.
غلاف “شذرات من الأعماق ” للكاتب غازي صعب
لغازي أربعة مؤلفات بارزة، تجمع بين السياسة والتاريخ والأدب، إلى جانب مئات المقالات المنشورة في دوريات وصحف مختلفة:
شذرات من الأعماق
شيء من العطر
المرأة تقول رأيها بشِعر الرجل لها
شرح ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي
تعكس هذه الأعمال اتساع رؤيته الفكرية، ومساهماته في التربية وإدارة المكتبة، وتنظيم المؤتمرات والورش الثقافية، لتصبح كل زيارة للمكتبة مشاركة فعلية في الحركة الفكرية والمعرفية الحديثة. كما تعكس هذه الأعمال عمق اهتمامه بتكامل الفكر والثقافة مع الحياة اليومية، وبأن المعرفة هي فعل إنساني ومشروع حضاري مستمر.
درس في الإنسانية
غادرتُ المكتبة في ذلك المساء، وحملت معي أكثر من كتاب، وحملت درسًا في الهدوء الصخري والكرم الفكري. علّمني غازي أن أعظم قوة هي التواضع الذي يزرع بذور الجمال في تربة الواقع الخشن، وأن المعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا بالحب والاحترام والمثابرة.
لقد جعل المكتبة وطنًا للروح والفكر، موجّهًا القلوب نحو النور. هكذا يصبح غازي صعب أكثر من مثقف؛ إنه بستاني يزرع بذور النهضة في رفوف الكتب، وجسر يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وتذكرة دائمة أن الحضارة تبدأ دومًا من رف كتاب وبصمة إنسان مؤمن.
الكاتب فاروق خدّاج







