كل شيء بقي إلا لبنان الذي نعرفه
كتب فاروق غانم خداج
( كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني) :
كان لبنان الذي عرفناه قصيدةً لم تُكتَب بعد على جبين البحر، وعهداً من نورٍ نقسمه مع الصباح. المدن كانت تتحدث بلغات العالم، والشوارع تنام على أنغام الموج، والمقاهي تحتضن الحكايات والضحكات كما تحتضن القهوة الصباحية. الجبال والأنهار والسهول، كل شيء كان يغني سيمفونية متجانسة، وكل قلب ينبض بالأمل، وكل عين تلمع بالحب.
اليوم، البحر لم يعد يغني بل يرثي، والجبال لم تعد تحلم بل تحرس الذكريات كحراس المقابر. الشوارع نفسها، البيوت نفسها، المدن التي كانت تزهر، صارت أطلالًا صامتة، وألوانها تصرخ بالغياب. العملة انهارت، والفقر حلّ مكان الرخاء، والأمل صار طلب منحة أو فرصة في الغربة. الشباب يحدقون في شاشة الهاتف بحثًا عن بصيص حياة، والأطفال يتساءلون عن الغد في وطنٍ يسرق منهم طفولتهم قبل أن يمنحهم فرصهم.
كيف نامت النجوم على شرفات بيروت وهي ترى قمرها يُهجر؟ كيف تقبل الأرض أن نزرع فيها الأحلام والذكريات وهي تحمل بين ثناياها الركام؟ كبار السن الذين عاشوا لبنان المشرق يروون الحكايات وكأنها أساطير، ويشعرون بالخيبة حين يقارنون بين الأمس واليوم، فيجدون الوطن غريبًا بينهم، يئنّ بين أطلاله لا بين جنباته.
الكرم الذي كان سمة اللبنانيين صار مقيدًا بالعوز، والطيبة التي كانت شعارًا أثمن من الذهب. الشوارع التي كانت تحتضن الباعة والموسيقى والمقاهي صارت صامتة، والبحر الذي كان يحتضن المصطافين صار يراقب الخراب بصمتٍ مؤلم. ومع ذلك، في دفء الأيادي المتشابكة في الظلام، نرى بريق الفجر القادم، نلمس الأمل في ابتسامة طفل، في خبز يُقسم، في ماء يُمدّ، في جار يقدم ما يملك لمن يحتاج.
الروح اللبنانية لم تمت بعد، الكرامة لا تزال تتلألأ، والطيبة تتشبث بالحياة كما تتشبث الشجرة بجذورها في صخر الجبل. لبنان اليوم يحتاج أن ننزع الحجارة من قلوبنا قبل أن ننزعها من الشوارع، أن نزرع اليقين في عيون أطفالنا كما نزرع القمح في التربة، أن نحمل الوطن في أرواحنا قبل أن نحمله في أيدينا، أن نعيد إليه نبضه الذي سرقته الأيام.
كل شيء بقي إلا لبنان الذي نعرفه، لكنه ليس ميتًا بعد. كل بيت، كل شارع، كل زهرة على شاطئ البحر يحمل فرصة لإعادة الحياة. لبنان الخير والجمال، لبنان الحضارة والكرم، وطن يستحق أن يُحلم به، أن يُبنى من جديد، أن يُعاش كما كان، وطن للكرامة والعطاء، وطن للحب والعمل والصدق.
لننظر إلى الوطن، لنسمع صدى الرياح بين الأطلال، لنلمس دفء الشمس على الحجر البارد، لنرى في الظلال الضوء القادم. لنحمل الوطن كما نحمل قلوبنا، لنزرع الحب كما نزرع الأمل، لنغني للأرض كما غنت لنا في الماضي، ولنسمح للذكريات أن تكون بذورًا لمستقبل أفضل.
لبنان ينتظرنا، ينتظر أن نؤمن بقدرته على النهوض، أن نزرع فيه الحب والصدق والعمل الصالح. لنبدأ اليوم، لنحلم من جديد، ولنرفع وطننا كما عرفناه: لبنان الذي يستحق أن يعرفه كل أبنائه، لبنان الذي يليق بتاريخ أجدادنا وأحلام أطفالنا وكرامة كل مواطن.
لبنان ليس مجرد أرض، بل حلم مشترك، قلب نابض وروح لا تموت، وطن نستحق أن نعيش لأجله، أن نحلم معه، أن نحمل أملنا فيه. كل شيء بقي إلا لبنان الذي نعرفه، وهو ينتظرنا لنستعيده كما كان، وطن يليق بدماء شهدائه وبراءة أطفاله، وطن يعود من رماده كطائر الفينيق، وطن يضيء كما أضاء في أحلامنا، وطن يصرخ بالأمل رغم الخراب، وطن للحياة والكرامة والجمال.
الكاتب فاروق خداج






