وجدي عبد الصمد ديوانا
تشقق الورد وتفتح الوجد
“يقودوني قدر والعمر بي خفر/ والعطر فوق غمار الشوق يعتصر
كل على مقلي يحيا به أرق/ وفي نسيمات روضي يغتوي الزهر
أمشي، وفي مهجتي نبض يهدهدني/ أخطو خطى النور حيث الحب والكبر
إخالني لهفة في القلب زنبقة/ تنساب في صفوة أسرى بها القدر
ما عدت أدري… فطيف العشق يأسرني/ في عالم ضمه في ليلة قمر.”
حين الشعر يتفتح مساكب ورد، يصير السؤال عن الوجد مشفوعا بالتجربة الآسرة. وحال الشعراء آنئذ، بين تفتح الورد وتشقق الوجد، على شفا واد عميق القعر، إسمه الشاعر. يتلمس طريقه كما الطفل الغرير، خشية الهبوط في القيعان. ويظل على حاله، يطال النجوم بعينيه. له من خيطانها، ما يجعله في مأمن عن التهاوي، إلى حيث مجمع العشاق، في قيعان الحب.
“ولد في عماطور…من جبل لبنان…أزهر فيها الحب وعبر فيها الزمان. شغف بها وأدرك ما يحمله من الغنى…”
“وجدي عبد الصمد. لحظ في عيون المساء. فواصل للنشر- بيروت2026: 165 ص.”

يغذ الشاعر في دروب الشعر، على أن يحصد الفجر في آخر الليل. غير أنه يظل يسير. يتابع السير حثيثا، بلا كلل ولا ملل، منذ البدايات القاسية التي خطاها. فدروب الشعر إلى القمم، كلها وعورة. ولهذا تراه منهمكا، غير منهك، بما يصير إليه من تعب، من وعورة الدرب.
“وجدي عبد الصمد: أحيي قصائدك قبلة قبلة. ومع كل قبلة غمزة من ناحية الشعر”.( هنري زغيب).
شعر مرسل كعروس. يتابعه وجدي عبد الصمد. يتعلق به، حتى لا يضيع في الغبار التي ضاع فيها أسلافه من الشعراء. لأن يتابع جروحا. يتابع ورودا. حيث يتفتق فقط عنده، الورد عن الجرح.
“قرأت ما أعجبني وسمعت منك ما أطربني.. إنك تحافظ على أصالة ما قرأت وعلى صدق ما تحس..” (طارق آل ناصرالدين).
ديوان، لا كسائر دواوينه السابقة: أضاميم من حقول جراحه. كل قصيدة هي جرح جديد، يتفتق، بل يتفتح وردا ووجد. هذا هو حال الشاعر، في ليله ونهاره، متعب بالشعر، تماما مثلما هو متعب بالحب.
” هكذا تتوالى قصائد وجدي عبد الصمد بدءا من خواطره وحنين همساته، قطرات شوقه وبوح سنابله…. فلنقرأ عندليب الكلمة، لنرى ماذا سيخبرنا عن عيون المساء في لحظ وشوشاته؟.” (نعيم تلحوق).
شاعر يطوي القصائد، تمام مثلما يطوي ثوبه على عوده. كلاهما يتشققان، عن ورد ووجد. الحب يبرحه. يعريه. والشعر يكسوه. يختار المسارات التي يشقى بها. يراها كأنها من نوازله. وهل يستطيع شاعر مثله، أن يكفكف النوازل، ما دامت تتفجر به.
“أذنت للقلب أن يندى برياها/ وقلت للروح أن تصبو بنجواها”.
وجدي عبد الصمد عظيم الحظ من الشعر. يصيبه على حين غرة، حيث يعجز عنه الآخرون. وجدان الشعر عنده، حاضر. كلما جاءه، كان كأنه، يغرف من بحر.
“في جنتي وردة ألوانها قبل/كمقلة بخيوط الفجر تكتحل”.
وجدي عبد الصمد، اقل ما يقال في شعره، أنه غمار من السنبل الناضج، على بيدر الشعر والحب. ولهذا تراه يسيل به، كما النهر، حين يتراكم في منابعه الثلج.
“ولي في الليل أحلام أراها/ حكايات تجلت في رؤاها”.
هل شهدتم تفتح الثلج وردا في قصيدة! مشهد بل مشهدية لا نراها، إلا حين نكون في نزهة آسرة مع وجدي عبد الصمد. نقلب قصائده، ونخشى أن تحترق أصابعنا من شدة الوجد. بين دفتي ديوانه، مزارع الشعر ومساكب الورد. يزرع الشعر في نفوسنا، كما نذهب لزراعة القلب. شديد العناية بنا وجدي، حبا ووطنا ومدينة وجبلا محروسا، بالأعمدة، وبشجر الأرز.
“كالأرز أورق في جبينك مطلع/ في دفقة الأيام لم تتزلف”.
الشاعر وجدي عبد الصمد
وجدي عبد الصمد، شاعر المرأة وشاعر الوطن. كلاهما وطن له. ولهذا تأتي عمائره الشعرية فيهما، كما ينبع الحب من العقل والقلب.
“صرحها/ منهل للعلم رافده/ حارس للثقافة والتسامي.”.
جميل أن ترى للشعر أهداب الأنوثة التي تنهض به إلى الذرى. وجميل أن ترى للشعر سواعد الحصون والقلاع، التي تحرس الوطن.
“أطلق سهام الحق كالطوفان/ في ساحة الفرسان… في الميدان”.
بين هاتين العمارتين العظيمتين، يرحل وجدي عبد الصمد. يعرس ويغرس. ويعلي مداميك قلعته. هلا علمتم أن قلاع وجدي، من وجد وورد. يتفتق الوجد، حين يتشقق الوجد. ويتشقق الوجد حين يتفتح الورد. وأما ديوانه الأخير، “لحظ في عيون المساء،” فليس إلا قطعة من درب، سلكها حثيثا، إلى المرتقيات العليا، حيث ناصية الشعر، ووردة الشوق والعشق والحب.
“تنامى في كمال الأرز وعد/ ودون الشمس يلقى الفجر مجد”.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







