حوار المبدعين: بسّام برّاك وإسكندر حبش
كتب فاروق غانم خداج* :
1. الافتتاحية والتأبين
في أمسية رمزية في ضوء الذكرى، تجتمع أرواح المبدعين على منصة الكلمات حيث تُصقل اللغة وتُترجم فيها الرؤى، في حوارٍ مفتوحٍ بين قلبيهما، رغم أن الموت هو الذي فرض الفراق.
فقد فقدنا بسام براك في 27 تشرين الأول 2025 بعد صراعٍ مع السرطان، وفي 30 تشرين الأول غاب إسكندر حبش بعد حياةٍ أدبيةٍ حافلةٍ بالترجمة والشعر.
هذا اللقاء نصّ وجداني يجمع بين صوت «حارس اللغة» وصوت «المترجم الحالم»، فكأنّهما جلسا على ضفّةٍ واحدة من التأمّل، يتبادلان الحكمة والحنان والذكريات.
2. بين بسّام وإسكندر: لغةٌ وصراع
براك (بهيبة صوته وابتسامته الرصينة):
إسكندر، كيف لا أراك اليوم بين صفوف اللغة، وقد أتعبتني الفصحى كما أتعبتك، وقد كانت لك مرآة تعكس نورك، أما أنا فكنتُ رقيبًا عليها، مدرّبًا لمخارج الحروف، قاصدًا ألا تنطفئ. هل ترى أن اللغة تقاوم الموت كما نقاومها؟
حبش (بصوتٍ وديعٍ، يمسح غيمة الحزن المُبطّنة):
بسام، يا صاحب الكلمة الصافية، كنتَ بالفعل جنديًا في جبهة اللغة. أرى أن اللغة – مثل الشعر – ليست مجرد أداة تُستخدم، بل عزاء ومرافقة للحظة التي يكون فيها الصمت أعمق من الكلام. لقد ترجمت عوالم أجنبية وكأنّي أحرّرها من سجنها الأصلي لأمنحها هواء العربية.
عندما كان الورم يهاجمني، كنت أقضي وقتي في الترجمة، حتى ظننت أن الكلمة أقوى من الألم.
3. الترجمة والشعر: لقاء الأرواح
براك:
كيف يمكن أن نعلّم الأجيال أن اللغة ليست مجرد تراكيب نحوية أو قواعد صرف ورفع، بل هي حس ووجدان؟ أنتم، يا شعراء ومترجمين، ترونها جسدًا حيًا ينبض. في الجامعة الأنطونية، أطلقت مسابقة «إملاؤنا لغتنا» كي لا يضيع الإملاء بين تصفح الشاشة.
الراحل بسّام براك
حبش:
نعم، لقد كنت وما زلت أيقونة في هذا الحقل. أما أنا، فكنت ألج إلى لغتي كمن يدخل مغارة كنز، أُخرج منها جواهر الترجمة، وأُدخلها إلى العربية كي تعيش من جديد. الترجمة ليست نقل كلمات، بل مسيرة نفس نحو نفس، ومن ثم تكون العربية مكان اللقاء.
حين ترجمت «لست ذا شأن» لفرناندو بيسوا، شعرت أن بيسوا يتحدّث بالعربية أيضًا.
اسكندر حبش خلال أمسبة شعرية كان ضيفها في الملتقى الثقافي اللبناني عام 2017 ( تصوير يوسف رقة )
4. صمود في وجه المرض
براك (يتهدج صوته بلطف وحزن خفي):
لقد سمعت أن المرض ألمّ بك بشدّة، ومع ذلك لم تتراجع. كيف استطعت أن تبقى صامدًا؟ كيف جعلت من الألم نبعًا للكتابة؟
حبش:
إن الصمود، يا بسام، ليس إنكارًا للمرض، بل تقبّل له، ومعه الاستمرار في الالتزام بالكتابة. كنت أكتب بين الجولات الطبيّة، لا لأنّي قويّ، بل لأنّي لا أريد أن تسبقني الكلمات إلى الغياب.
حين كتب أحد الزملاء:
> «كتب عن تجربتي الشعرية ذات يوم بمحبة نقدية رفيعة… كان حديثنا عن الشعر لا ينتهي، كأننا نكتب القصيدة نفسها من ضفتين.»
كان هذا الكلام يعيد إليّ أغنيتي المفقودة. الشعر والترجمة والصحافة كانت جميعها مقاومة في زمن لا يقف فيه الزمن.
5. اللغة والإعلام: جسر المستقبل
براك:
وهناك، في الحقل الإعلامي، كنت أحاول أن أوصل الفصحى إلى الشاشات، إلى صوت المذيع، إلى قلب المشاهد. أذكر عملي في «المؤسسة اللبنانية للإرسال»، وإذاعة «صوت لبنان» عام 1991، ثم انتقالنا إلى «تلفزيون المستقبل» عام 2010.
لكنّني اليوم، وقد غادرت، لا أرى ما يصنعه هذا السلوك كله إلا كرسالة إلى اللغة: أن نبقيها حيّة، أن نمنحها احترامها، وأن نمنح الجيل الذي يضيعها فرصة للعودة.
حبش:
هذا ما كنت أسعى إليه أيضًا، لكن في الشعر حكايته. فأنا حين أكتب «أشكو الخريف» أو «نصف تفاحة»، لا أعبّر عن حزن أو انتظار فحسب، بل عن زمن تغيّر فيه الفعل وتحول الحلم إلى سؤال.
ولأننا أبناء لحظة لبنانية وفلسطينية معًا، فقد حملنا اللغة ولدًا على أرض الأمكنة التي نتشقّق منها، وعلى الكلمات التي نعيد إحياءها.
6. الختام: اللغة وطن لا يُهجَر
براك:
إذًا، هل يمكننا أن نختتم حوارنا بمقولة تلاصق قلب كل قارئ؟ دعنا نقول: «اللغة هي الوطن الذي لا يُهجَر». ماذا تقول أنت؟
حبش:
أقول: «الشعر هو الزمن الذي يتوقف كي تلتقط فيه الكلمة سرها».
براك:
ونقول معًا، يا قارئنا: «حين تُغلق الكلمات أبوابها، افتح بابًا للغة ضياءً للغد».
وفي هذا اللقاء الرمزي، نرى أن بسام براك وإسكندر حبش، رغم غيابهما في شهر واحد، تركا وراءهما ميراثًا من اللغة والشعر والترجمة، ميراثًا يُذكّرنا بأن الكلمة، إذا كانت رصينة ومؤمنة، فإنها تحفر في الذاكرة وتضيء في الظلام.
وداعًا أيّها المتّقدان بحبّ الوطن… وداعًا وأنتما تلتقيان في سماء الثقافة، حيث لا غياب حقًا.
*فاروق غانم خداج – كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
الكاتب فاروق غانم خداج



