وداع مدينة
شيء لا يوصف وصفا، حين تكون في وداع مدينة. حاجات في القلب عالقة. تنبسط لها النفس وتنقبض في البرهة الواحدة. شعور قوي بأن الإنسلاخ عن أرصفتها، يجعل منك الكيان، يهتز خلية خلية. تشعر بالقشعريرة والإرتجاف، حالما تتذكر، أنك على موعد مع عقارب الساعة، لإدارة ظهرك للمدينة، وخروجك منها. خروجك من أحشائها.
صرخة عميقة مكتومة، لا يحس بها إلا الوليد، ساعة الولادة. يودع عالما إعتاده. كمن يمارس الرياضة الصباحية. أو الرياضة المسائية. كلما يتذكر المرء أنه على موعد مع وداع المدينة، يهدئ إنقباض النفس: يؤملها في عودة قادمة.
لا يمكن الحديث عن عيش المدينة، لأنه أعمق من المحيطات كلها. فهل الأسماك في قيعانها، تتحدث عما يقع لها. تعيش الحياة في الأعماق، عيش راحة و حرية مطلقة. تعرف فقط أين الحدود. وأين المسافات. وأين الحلاوة والملوحةفي بحران أمواهها. تذوق الأعماق، من عادة الأسماك. وكذا الأمر، عندما يكون المرء هائما على وجهه في عمق المدينة. يتنخل ترابها، ويحصي أنواع أشجارها والورود التي لا تزال على أكمامها. الحياة مع المدينة، صحبة دائمة. يمضي المرء وقته، وهو يحصي شوارعها، يرسمها على بدنه، مثل إشارات السير. أو مثل إشارات الجهات. أو مثل إشارة عينين لمهوى الفؤاد، حين كان ينتظر، على مقعد من مقاعدها.
اللوحة التي رسمتها الفنانة التشكيلية الغزاوية فرانس السالمي قبيل رحيلها
وداع مدينة، نسيت نفسك مرارا في جنباتها. أو ضعت في شوارعها. أو إهتديت بعد صعوبات إلى طريق أو حاجة، أو باب بيت صديق، أصعب من أن تعمد لسلخ بدنك، مهما تأنيت أو تمهلت، في سلخها، عن تلك الأمكنة.
كل الأماكن في المدينة، عالقة في القلب. حتى حقول الشوك. حتى الأسيجة. حتى حديد الطرقات والشرفات، التي أخذت منك نفسك، حين تعثرت أو هويت على جانبيك. عذوبة المدينة وأنت على شفا وداعها، مجتمع أهل، عشت بينهم أيامك. وهل يستطيع المرء فراق الأهل، ألا والدموع في عينيه لا تفارقه ولا يفارقها.
غصص في الطريق. غصص في النوافذ. غصص في الحقول والحدائق، وعلى الصنابير الباردة التي كنت منها تشرب. يبترد فؤادك، لكن عينيك من جمر وورد، حين تراودك فكرة الوداع. تجثو مكانك على ركبتيك. تريد وجه المدينة في وجهك. وجهان أنت آنئذ. وجعان: وجع الفؤاد الموجع بالمدينة، ووجع المدينة، حين الفؤاد يودع.
لا تنسى جميع الوجوه التي آنستك. لا تنسى جميع الأيدي التي إمتدت مسلمة عليك. لا تنسى تلك القهقهات ولا الضحكات ولا الإبتسامات التي عددتها. لا تنسى جميع الرحلات بأهلها وبجهاتها. جميعها إمتلأ بها القلب على مهل. كما إرتشاف القهوة الصباحية. كما إرتشاف القهوة المسائية. فالمدينة حشد صالة في المساء. وحقول من الأزاهير والورود في النزهات. وأنهر وجبال، وبحيرات وشطآن وغابات، كنت تخرج إليها، بصحبة الأحباب من أهلك.
كيف يكون الوقت في وداع مدينة، كانت تسير وراءك وقتا طويلا. تمتلئ شقوق الثوب بها، كما ثغور من أسرعوا إليك، للسلام عليك، حين كنت قادما.
المدينة وفية في وقت وداعها. تراها كلها تتلألأ، كما ثوب عرس، تفتحت أجراسه، على إيقاع قلب معذب بالحب. فليس في الدنيا أصفى، من ساعة وداع مدينة تلألأت في عينيك، حين عدت عنها ساهما.
ساعة وجد في وداع مدينة، أرق من دمعة في القلب. فما بالك حين تكون مغتسلا ببحرانها. وداع مدينة أحببت، دين عظيم عليك. والوفاء لها شهادة مأثورة، حين تكون العيون مغمضة، على أثر. على نبض قلب. على دفء يدين. ومنديل حب مطرز بياقوت العيون الجميلة التي روعتك، حين كنت في وداعها!.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







