زملاء الأمس
لا أذكر من زملاء مدرسة القرية، إلا ثلاثة: واحدا ترك المدرسة باكرا، وهاجر إلى أميركا، ولم أعد أعرف عنه شيئا ، إلا من خلال سؤال والده عنه، كلما إلتقيته في الطريق.
والثاني، كنت كلما ذهبت إلى الدكان لشراء الدفتر والقلم والمبراة، كان يرافقني. كان يؤمل أن أشتري له دفترا. فأطلب من صاحب الدكان أن يعطيني دفترين بدل الواحد. فينهرني ويقول: لا. لا يلزمك إلا واحد. ثم ينظر إلى زميلي، يغامزه بغضب.
أما الثالث، فكان يخرج معي إلى حقلنا البعيد. مع الحملان. هناك كنا نأنس معا لمراجعة الدروس. ونحضر معا كتابة الفروض المدرسية. ونخطط لليوم التالي، كيف نعابث غدا زملاءنا.
وعندما إنتقلت إلى المدرسة الإعدادية في القرية المجاورة، كان زملائي في الصف، لا يزيدون على العشرة. إثنان منهما هاجرا إلى البرازيل، وشهدت معهما سهرة الوداع. ولم أرهم بعد ذلك أبدا. وأما الباقون، فقد أكملوا دراستهم، حتى نيل الشهادة التكميلية. وسرعان ما صاروا من الموظفين والمدرسين، لبلوغهم سن الثامنة عشرة. فكان نصيبي أن أحتفظ بصداقة واحد منهم، لأنه درس معي في دار المعلمين. ثم إستكملنا الدراسة الجامعية: هو في كلية التربية. وأما أنا فكنت في كلية الآداب. تخرجنا معا. ذهب زميلي للتدريس في الثانوية الرسمية. وذهبت أدرس في المدرسة الرسمية. حتى نلت شهادة الماجستير اللبنانية، فصرت أدرس في الجامعة. ولم تنقطع المودة بيننا.
كل عام كان يمضي على تدريسي في الجامعة، كنت أكتسب فيه صديقا جديدا. ذلك أنني كنت من المدرسين العشرين، الأوائل الذين أفتتحت بهم كلية الآداب- الفرع الثالث، بطرابلس، في العاشر من شهر نيسان-1977.
إنصرفنا، زملائي وأنا للتدريس الجامعي بكل جدية. ولكن سرعان ما قطعت طريق بيروت- طرابلس، فإنقطع الأساتذة المدرسون القادمون من بيروت عنا. فنهضنا بالصفوف، وأكملنا التدريس عنهم. وأتممنا نعمة العام الدراسي. ثم عادت الأمور إلى طبيعتها، وعاد الزملاء المنقطعون إلى الجامعة.
أذكر أننا كنا في الجامعة أسرة واحدة. لولا بعض النميمة بيننا. ولولا بعض الحسد. ولولا بعض الإثرة، في المواد التدريسية. غير أننا مع ذلك، كنا نلتقي أسبوعيا للتداول في شؤون القسم. كما كنا نلتقي شهريا، للتداول في شؤون الكلية.
كانت الزمالة بيننا عفوية للغاية. ننسى كلما إلتقينا في الردهات وفي الأسواق، وفي المنتديات، جميع العنعنات التي كانت تباعدنا. لم تتمكن من روح الزمالة. كانت روح الزمالة أقوى .
على مدى خمسة وثلاثين عاما، كان كل عام يطوي زميلا أو أكثر لنا. فقد كان التدريس الجامعي، يمر في ظروف عاصفة. كان من زملائي، من يفضل الهجرة. وكان منهم من يفضل منصبا راقيا. وكنا لطالما نشهد على نعوش بعضهم لأمراض مفاجئة. كانت ظروف الحياة في لبنان، طيلة الحرب التي إمتدت ثلاثين عاما، تسرق منا بعض زملائنا.
زملاء الأمس كانوا حقا رعية واحدة في الجامعة. نتشارك في المؤتمرات وفي المنتديات وفي الدعوات العامة والخاصة. وتكون لنا بعد ذلك أحاديث ونمائم، لا تفتك بروح الزمالة التي بيننا. كانت روح الزمالة أقوى.
كانت المدن تقربنا من زملاء جدد. كلما إتصلت بمدينة جديدة، سرعان ما أتعرف على زميل، يدرس في فرع آخر من فروع الجامعة. كانت الفروع الجامعية، مجمع الزملاء. يتلاقون على المؤتمرات وعلى تبادل الزيارات وعلى التناوب في التدريس في فروع أخرى، خصوصا في “السنة السابعة”.
كان الزملاء يتكاثرون علي، كلما زرت الفروع الجامعية الأخرى. وكانت الجامعة اللبنانية بفروعها الكثيرة، وبمبانيها المنتشرة، تدعونا للتلاقي، على الخبرة والعلم والمعرفة.
كنت كلما زرت فرعا من فروع الجامعة اللبنانية أو غيرها، أحاول أن أتعرف إلى زملاء جدد. وكانت الملتقيات الجامعية في مبانيها، وفي خارج مبانيها، تحضرني، للإلتقاء بزملاء جدد، سرعان ما ما تنسج المودات بيننا.
وبقدر ما كنت أنتقل في عملي: بين التدريس الجامعي، والحقل الكتابي، وحقل الصحافة، كانت مبانيها جميعا كما دورها ، لمما يمكنني من التعرف على زملاء جدد، في حقول العمل الأخرى، لأن الكتابة والتدريس الجامعي، من رحم أم واحدة.
هكذا كان زملاء الأمس يتسعون علي. ويتكاثرون. كنت أحرص معهم، على أن أكون معهم جميعا أخا مودة وألفة. وكنت أجد فرصتي، للتبادل الثقافي. وللتبادل المعرفي. وللتبادل العلمي. وكان منهم من يصير زميلا، لا تنقطع بيني وبينه أواصر الزمالة.
زملاء الدراسة، إنقطع بيني وبينهم حبل التواصل، منذ السنين المبكرة. غير أني لا أزال أحتفظ لهم بكل الود في الذاكرة. أما زملاء العمل، فإني على وجدي بهم جميعا، كان بيننا من الشجار، ما ترك في حياتي علامات فارقة.
زملاء الأمس كلهم عندي، من سنابل العمر. وهل يستطيع المرء أن يسقط من عمره سنبله.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







