غاندي أبو ذياب: من كهف الجاهليّة إلى جائزة الإنسانيّة العالميّة
كتب فاروق خدّاج * :
في زمنٍ يهيمنُ فيه صخبُ المادّيّةِ على الحياةِ، ويكادُ يطغى على صوْتِ الجمالِ، يخرجُ من بلدةِ الجاهليّة في قضاءِ الشوفِ صوتٌ فنّيٌّ يذكّرُ بأنَّ الإبداعَ ليس ترفًا، بل هو حاجةٌ إنسانيّةٌ تعيدُ إلينا المعنى. إنّه الفنّانُ اللبنانيُّ غاندي أبو ذياب، الذي حوّلَ الحجارةَ القديمةَ إلى ذاكرةٍ حيّةٍ، والخشبَ اليابسَ إلى كائناتٍ تنبضُ، واللوحاتِ إلى رسائلَ تحملُ صدى الوجعِ والأملِ معًا. وقد توّجتْ مسيرتَهُ مؤخرًا جائزةُ الإنسانيّةِ العالميّةُ التي نالها في ولايةِ كارناتاكا – الهند، ليصيرَ اسمُهُ علامةً فارقةً في سجلِّ الإبداعِ اللبنانيِّ والعربيِّ.
غاندي أبو ذياب في الهند خلال حفل تكريمه
جائزةٌ من عمقِ الهند
لم يكنْ تكريمُ غاندي أبو ذياب في الهند حدثًا عابرًا، بل هو اعترافٌ بمدرسةٍ فنّيّةٍ متفرّدةٍ نسجتْها يداه على مدى عقود. ففي مهرجانِ الثقافةِ العالميِّ في ولايةِ كارناتاكا، تسلّمَ جائزةَ الإنسانيّةِ العالميّةِ، بحضورِ نخبةٍ من المثقّفينَ والفنّانينَ. وقد نُقشتْ على شهادةِ التكريمِ عبارةٌ ذاتُ طابعٍ شعريٍّ تقول: «لا أدركُ أينَ يقعُ العقلُ تحديدًا؟ وأينَ يقعُ القلبُ؟ لكنْ في كلا الحالتينِ، الذاكرةُ أكثرُ حضورًا عندَ الوجعِ». جملةٌ تختصرُ فلسفةَ مسيرتِه، إذ يرى أنَّ الفنَّ هو المرآةُ التي تلتقطُ أوجاعَ الناسِ وتحوّلُها إلى جمالٍ خالدٍ. هذه الجائزةُ لم تكرّمْ شخصَهُ فحسبُ، بل حملتْ لبنانَ كلَّهُ إلى منصّةٍ دوليّةٍ تُذكّرُ العالمَ بأنَّ هذا البلدَ الصغيرَ ما زالَ ينجبُ كبارَ المبدعينَ.
غاندي أبو ذياب في كهف الفنون

كهفُ الفنونِ: متحفٌ تحتَ الأرضِ وفوقَ الزمنِ
من يتوجّهْ إلى بلدةِ الجاهليّة في الشوفِ، لا بدَّ أنْ يمرَّ بمَعْلمٍ استثنائيٍّ باتَ معروفًا على نطاقٍ واسعٍ: «كهفُ الفنونِ». هنا تبدأُ الحكايةُ التي صنعها غاندي أبو ذياب بيديهِ وبإصرارِه. في أقبيةٍ عثمانيّةٍ عمرُها أكثرُ من أربعمئةِ عامٍ، كانتْ يومًا دهاليزَ مهجورةً ومخابئَ في زمنِ الحروبِ، أقامَ الفنانُ مشروعَهُ. على مدى ثلاثةِ عقودٍ، نحتَ الصخورَ، ورصّعَ الجدرانَ بقطعِ الفسيفساء، وأدخلَ الماءَ والجذوعَ اليابسةَ، ليحوّلَ المكانَ إلى متحفٍ حيٍّ يمزجُ بينَ الحجرِ والذاكرةِ، وبينَ الماضي والحاضرِ.
غاندي أبو ذياب خلال ورشة تحسين الأعمال في كهف الفنون
يضمُّ «كهفُ الفنونِ» مكتبةً حجريّةً تقاومُ النسيانَ، ومنحوتاتٍ مصنوعةً من جذوعِ الأشجارِ، ومساقطَ ماءٍ تتداخلُ مع الأضواءِ، وأنفاقًا صخريّةً تحاكي أزمنةً غابرةً. إنّه فضاءٌ فنّيٌّ وثقافيٌّ، يُقيمُ فيه أبو ذياب معارضَهُ، ويستقبلُ زوّارًا من مختلفِ أنحاءِ العالمِ، ليشهدوا كيف يتحوّلُ المكانُ من ذاكرةِ ألمٍ إلى ذاكرةِ جمالٍ.
غاندي أبو ذياب مع الناشطة الإنسانية والثقافية السيدة رجا أبو ذياب خلال زيارته الى الهند
أعمالٌ من روحِ الطبيعةِ
لا يعتمدُ غاندي أبو ذياب على موادّ مصطنعةٍ، بل يستلهمُ عناصرَهُ من الطبيعةِ ذاتِها. فمن جذوعِ الزيتونِ ينحتُ نسورًا تحلّقُ، ومن أغصانِ اللوزِ يصوغُ آلاتِ موسيقى صامتةً، ومن نباتِ الصبّارِ يُبدعُ كائناتٍ تفيضُ بالحياةِ. لوحاتُهُ الزيتيّةُ تُوثّقُ حياةَ القريةِ اللبنانيّةِ: الفلّاحُ في حقولِه، المرأةُ في بيتِها الترابيِّ، أعراسُ القرى وأناشيدُها. أمّا منحوتاتُهُ البرونزيّةُ والشمعيّةُ فتُعيدُ صياغةَ الجسدِ الإنسانيِّ بلمسةٍ فلسفيّةٍ. ومن أبرزِ إنجازاتِه عملٌ فسيفسائيٌّ ضخمٌ بعنوانِ «بيروتُ والسلامُ العالميُّ»، أنجزَهُ على مدى خمسةَ عشرَ عامًا، ليبقى شاهدًا على قدرةِ الفنِّ في مواجهةِ الحربِ والدمارِ.
حضورٌ عربيٌّ ودوليٌّ
لم يقتصرْ حضورُ غاندي أبو ذياب على الشوفِ أو بيروتَ، بل تخطّى الحدودَ إلى المحافلِ العربيّةِ والدوليّةِ. ففي قصرِ الأونيسكو – بيروت، أقامَ معرضَهُ «ما وراءَ اللونِ والحرفِ»، الذي جمعَ بينَ اللوحةِ والمنحوتةِ والكلمةِ الشعريّةِ. وفي الأردنِ، شاركَ في ملتقى الفنِّ والجمالِ الثامنِ، حيثُ كرّمتْهُ وزيرةُ الثقافةِ هيفاء النجار خلالَ احتفاليّةِ اليوبيلِ الفضيِّ لجلوسِ الملكِ عبد الله الثاني. هناكَ، رسمَ لوحتينِ في يومٍ واحدٍ، حملتْ الأولى عنوانَ «قافلةُ اللاعودةِ»، والثانية «شروقٌ كئيبٌ»، قبل أنْ يُلقي قصائدَهُ باللهجةِ اللبنانيّةِ في أمسيةٍ ثقافيّةٍ جمعتْ بينَ الشعرِ والفنِّ.
الشاعر غاندي أبو ذياب يلقي بعض قصائده في المؤتمر الهندي
البعدُ الإنسانيُّ والثقافيُّ
يمثّلُ «كهفُ الفنونِ» أكثرَ من مجرّدِ متحفٍ، فهو مساحةٌ للذاكرةِ اللبنانيّةِ المهدّدةِ بالزوالِ. هنا يجدُ الزائرُ وثائقَ وقطعًا فنّيّةً تحاكي الماضي، وتُذكّرهُ بأنَّ الإبداعَ وسيلةٌ للمقاومةِ الثقافيّةِ في وجهِ التهميشِ والنسيانِ. إنَّ رسالةَ أبو ذياب تتخطّى حدودَ القريةِ والبلدِ، لتقولَ إنَّ الفنَّ قادرٌ على أنْ يكونَ لغةً عالميّةً تُخاطبُ العقلَ والقلبَ معًا. شهاداتُ الزوّارِ من لبنانَ والخارجِ تُجمِعُ على أنَّ المكانَ ملاذٌ للإلهامِ، وأنَّ الفنانَ استطاعَ أنْ يجعلَ من جذورِه أجنحةً للتحليقِ.
خاتمة: جذورٌ تُنبِتُ أجنحةً
إنَّ تكريمَ غاندي أبو ذياب في الهندِ هو تكريمٌ للبنانَ بأسرِه، ولثقافةٍ ما زالتْ قادرةً على أنْ تُنبتَ ورودًا وسطَ الركامِ. لقد أثبتَ أنَّ الفنَّ الحقيقيَّ يولدُ من المعاناةِ، وأنَّ الإبداعَ الأصيلَ يظلُّ عصيًّا على الانطفاءِ. ومن كهفٍ تحتَ الأرضِ في الجاهليّة، ارتفعتْ صرخةُ جمالٍ وصلتْ إلى أقاصي العالمِ، لتُذكّرَ بأنَّ لبنانَ – رغمَ جراحِه – ما زالَ منارةً تُشِعُّ بالإبداعِ. في حضرةِ أعمالِه، ندركُ أنَّ الفنّانَ ليسَ صانعَ جمالٍ وحسبُ، بل هو حاملُ رسالةٍ إنسانيّةٍ، يزرعُ من ذاكرةِ الألمِ أجنحةً للتحليقِ.
باحة الأمسيات في كهف الفنون في الجاهلية
المصادر:
MTV Lebanon – خبر نيل غاندي أبو ذياب جائزة الإنسانية العالمية.
وكالة شينخوا (Xinhua) – تقرير عن تحويل الأقبية العثمانية إلى متحف.
موقع الجيش اللبناني – “كهف الفنون” كمعلم ثقافي.
صحيفة البناء – تغطية معرضه في قصر الأونيسكو.
موقع “كهف الفنون” – معلومات تفصيلية عن المشروع.
* فاروق خدّاج كاتب وأديب
الكاتب فاروق خدّاج







