لؤي زيتوني ديوانا
عشب الجراح وعشابها
“أعظم الإبداع كلمة/ فحزن يولد من كلمة/… (في البدء كان الكلمة)”.
العشبة هي أول الدواء الذي إكتشفه الشعراء والأدباء والفلاسفة والأطباء. مضوا في طريقهم يبحثون عنها، منذ ظهور الإنسانية حتى اليوم. والعودة إليها بين الحين والآخر، ليس لإستنساخها. وليس لإستنساخ ما قيل فيها. بل لأخذ جرعة حياة. ولأخذ جرعة طاقة أيضا. الأرض داوت بها نفسها بنفسها. أحيت موتها بالقشرة الخضراء. وأظهرت من خلالها، ما في بطنها من قوة وإصرار وأسرار في صراع الوجود.
” في البدء كنت/ فكان النور والنار/ وما بينهما تراب…”
قرأت سابقا للروائي السوري حيدر حيدر، روايته الأخاذة: “وليمة لأعشاب البحر”. شحنها بكل آرائه في الحياة والصراع لأجلها. واليوم نرى د. لؤي زيتوني، تستيقظه هذة العشبة من جديد. يريد أن يمنح الحياة حقها بالخلود، من خلال المداواة بها:
” د. لؤي زيتوني. وليمة لعشبة الخلود. دار فكر للأبحاث والنشر. رأس بيروت- 2025: (95 ص.)”

“لؤي… شاعر باسط كفيه في دنيا الشعرية، إلى القول الجميل، حمال القضايا…”
ولا غرو، فالدكتور لؤي زيتوني وقف حياته على قضايا شعبه، منذ صباه وفتوته، حتى بلغ في ذلك مبلغا عظيما من الألم. فإنصرف مثله مثل العشابين الذي سبقوه، يبحث عن عشبة الخلود. يأتدب لها. جاعلا من جميع قصائده التي برحته، ديوانا شعريا لها. جاء إلى أوجاع وطنه، من خلال أوجاع الأرض. يريد أن يعالج بها جميع الجراح التي نادته. فندب نفسه لإستباق موتها، بعشبة الخلود، التي يرى فيها ترياقا لها.
“أروع اليأس… أن تكون ملجأ للضوء والعيون…”
أعترف مسبقا، أن زميلي وصديقي البروفيسور علي زيتون، قد سبقني إلى جميع القول فيها. وقد إعتدت عليه. يستبق زملاءه، ويوفر عليهم الوقت والجهد والهم والغم. ويزيل الغمامة من عيونهم ومن قلوبه، حين يكونون إلى جانبه في أية مناقشة.
” وقبل الشجر المغني/ على إيقاعات جوفاء/ أو مواعيد زائفة/ تنهمر الأيام حولا..”
د. علي زيتون، سبقني حقا،في المقدمة التي دبجها، إلى الكثير من الآراء والأفكار التي هي حبيسة صدري، حينما أتحفني صديقي الشاعر نعيم تلحوق الذي لا يبذ، بهذا الديوان للصديق والزميل د. لؤي زيتوني، فأثلج صدري به. وهذا إقرار مني بأن الثلاثة، تعاوروا علي، فأمرضوني. فحشرت في الزاوية.
“أنا من علقوا على أسواره رايات… وأمجادا من وهم…”
لكن ديوان “وليمة لعشبة الخلود”، له من الأبعاد التي تتسع، لأكثر مما قيل فيه، ولأكثر من الإهتمام به، ولأكثر من أبجدية واحدة. ولهذا حسبي المشاركة في قراءته الأولية. وسيكون دوما، على طاولتي، حين أريد التأمل في المجالات التي آل إليها الوطن الصغير المعذب – لبنان والوطن العربي الكبير، المبرح بالسلاح و بالجراح، يؤلمانه معا. فتكون دعوة د. لؤي زيتوني للقراءة على الأوجاع، كنطاسي قديم. وما برحنا المداواة على أيدي النطاسيين ومعجزاتهم. وقد سبقنا الشاعر الكبير الراحل خليل حاوي، الذي فضل الموت على رؤية العدو الإسرائيلي في بيروت، حيث كان يرى أننا لا نبرح نطلب المعجزات، للنهوض:
“ربي ماذا .. ربي ماذا../ هل تعود المعجزات”.
“وأفقنا لا يعرف إلا الرماد/ وظلام الريح النازف/ ملء الغبار..”
د. لؤي زيتوني
د. لؤي زيتوني، شاعرا خلاقا: رؤاه كلها تتمحور حول هذا الصراع التاريخي الأبدي، مع العدو الإسرائيلي. عاد إلى عشبة المعجزة، وطلبها في برهة الموت، من شدة القهر. من شدة الجبروت. طلبها لشعب فلسطين. ولشعب غزة. ولشعب بيروت. ولجميع الشعوب العربية والإسلامية، حيث المعاناة من الموت اليومي واحدة. إنه العدو الإسرائيلي الذي لا يرحمنا حين نموت.
“وأرفع من سمائي/ قطرة/ تعبر نوء المآسي…”
ماذا هو صانع شاعر مثل لؤي زيتوني، وهو يرى إلى موت أهله كل يوم. يحمل همهم على يديه، وكفنه على ظهره. ثم يسعى في طريقه إلى عشبة الخلود. يراهن على البقاء لحظة واحدة، لعل فيها إستباقا، لضربة العدو اللاحقة.
“في بيروت شمس تتشظى كل نهار.”
وليمة د. لؤي زيتوني التي ضربها لعشبة الخلود: في ثناياها كل حب. وكل عمل. وكل إجهاد. وكل تعقل. وكل براعة ونشاط، لإجل النهوض بشعب ينام على المعجزات. يداوي شعبه، بما إعتاد عليه من دواء. يلتصق بعشبة الأرض التي هي سر الحياة وسر الخصوبة، في هذا الهلال الخصيب الذي لا يموت، مهما شن عليه الأعداء من حروب.
“أذكر يافا / عكا، اللد والقسطل.. / أذكر أزمان الخيمة والخيبة..”
د. لؤي زيتوني عشاب عتيق للجراح التي آلمت شعبه، منذ طمع به الأعداء أرضا. سار في الأرض يبحث عن عشبة الخلود لوطن مغدور بالأعداء من كل الجهات وليس العدو الإسرائيلي، إلا العدو الأكبر الذي يحرس سائر الأعداء. يطيل عمر دولتهم على شعبه المظلوم من أول القرن. نكبوه وهجروه وإبتلوه بالجراح. وتركوه لقمة سائغة في أشداق الذئاب. فإنبرى الشاعر، على عادة الشعراء الأصلاء، يبحث عن الترياق في العراق: يريد عشبة الخلود. يداوي الجراح. ويرد عنها النبال.
يفك جذور الأصابع/ من تراب عامل والجليل/ غزة الدم في عمق شريان وضاحية..”
لؤي زيتوني حقا عشاب الجراح. إكتشفه قبلي؛ أخي وصديقي وزميلي البروفيسور علي زيتون. تنخل شعره على مهل، حتى وضع يده على بحار تلك العشبة المعجزة: عشبة الخلود، يقيم منها مأدبة، للنفوس الحيرى، على طريق الضياع. ويمنع عنهم مرة أخرى طيف خليل حاوي. لعله يصونهم بها عن التهاوي والسقوط.
“توضأ بالضوء جرح بادي/فنبأ بالجمر تحت السبات..”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







