رمزي حميدان ديوانا
شاعر البرهة الضائعة
” ها هي كينونتي، زهرة/ تحاول الإفلات من برعم/ ضام شفتيه… تتبدل، تتوارى، تتلاعب بي/ وعنود تراقصني/ على تخوم/ زمن يحدها الفصل..”
لا يؤتى الشعر من ظهرانيه، ولا من بين يديه، بل من ذاكرة الأنا ومن برهته الضائعة. هكذا وقف جميع الشعراء الوجوديين يستقبلون الفلوات، يصيحون في ديارات، يقلبون تربها وأحجارها، يبحثون عن ذواتهم الضائعة.
رمزي حميدان، واحد من هؤلاء الذين ساروا في ركب الحياة، بلا غاية. وعن غير هدى. وفجأة وجدوا أنفسهم يبحثون عن ذواتهم، في الفلوات التي غذوا إليها. قالوا إن الشمس والريح والماء، وحفنة من تراب بين ضلوعهم، هي السارية.
“توغلت في فضائي/ لم أجد غير ال “هنا”/ حضور في “الآن” لا يتقطع/ نزعت عن وجهي أمسي/ حاضري وغدي/ حتى كادت ” انا”/ تظهر/ كل الأنا”.
“رمزي حميدان. ثمة من يضيء. فواصل للنشر- بيروت.2025 (90 ص). تقريبا”.
غلاف الديوان الصادر عن دار فواصل للنشر في بيروت
شاعر لا يستلهم أحدا. يذهب إلى تجربته الشديدة الخصوصية، بروحية عالية. يجمع في كفه برهات وقته. ثم يفتحها، فتصير نجوما في فضاوات هو يرسمها. كل شيء عنده من ذاكرة اللحظة التي عاشها. ولهذا تراه دائم التجدد. لأن لحظاته دائمة التجدد، حتى لو أخرجها لتوه من ثلاجة.
“عندما أغيب في بريق العالم/ يستجلني هوس الفرادة.”
يعرف رمزي حميدان، كيف يجمد الوقت. وكيف يجدده. وكيف يخليه. بنى شعره كله، على هذة الثلاثية: التجميد والتجديد والتخليد. وما سبقه إلى ذلك أحد من الشعراء قبله.
“في البدء كانت صدفة/ من بعدها إستأنف الزمن حماقاته.”
صائغ الوقت، شاعر الشباب الدائم، رمزي حميدان. كل شعره إنما يصوغه من ذهب الوقت. إختار أن يكون عمره كله خيطا من ذهب الشمس. فتسابقت إليه جميع شموس الشعر، حتى ينسج من خيطانها منديلا له. وياقة. وطابعا. فصار رمزي حميدان، حيث هو من الشعر: صائغ الشعر.
” إشتقت إليك… إلينا/ هل حال إنتظار يبدو إشتياقا”.
يدخل في عروة الوقت ويحلم. تأتيه الأكوان إلى بابه جرما جرما. يلم من أثوابها شعث أثوابها. ثم ينخلها. فإذا به الشاعر المتنخل.
“كفارتي على مذبح الزمن/ طواف/ وكاهن يحرق كل الأسئلة.”
الشعر عنده عبارة إلى معنى. يقظة الشمس موعده . هناك حيث النور الحقيقي والأبدي. وحيث عثاكيل الذهب، في مجموعها: جمع يدين لديوان شعر فريد. تأخذه جمرة جمرة بعينيك. تستنير به ولا يحرق.
“صباحك/ موج يتدفق/ إت/ إلي/ وآت مني.”
ما هذا النوع من الشعر المتلألئ من أكاسير الحياة كلها. تجارب بديهية لدى الناس. تجارب يومية. وإنما هي على يدي الشاعر رمزي حميدان مصاغ عرائس الشموس، حين تنزل في البحار، أو تخرج منها: تتثنى وترقص.
“متى تأتي السفينة؟/ تأسف الوقت/ وإعتل المكان.”
الشاعر رمزي حميدان
أحلام الشعراء ثقيلة على الأكباد، إلا عند الشاعر رمزي حميدان، فهي أرق من الماء ومن ندى الصباحات. يستيقظ على طاقات الورود، ويعيش قصيدته كلها، وكأنها قصيدة وردية.
“أفتش عني/ ماضيا نحو حيرتي/ هاربا مني.”
لا يعرف رمزي حميدان تزييف نفسه بالشعر. يأتيه على السجية. فيحمله على رؤوس أنامله، ويضعه حيث يشتهي أن يضعه. على مخدة العمر. حيث ينسج بعينيه راحة أبدية.
“في أرضنا/ ينبت عشب أحمر/ ترحيبا بالأنبياء…/ وتولد فيها/ الطفل/ مقترضا موته/ من السماء !”.
لغة بسيطة. بنت نفسها بنفسها في قصائده كلها. فكان رمزي إبن بجدتها. حملها على راحتيه، ووضعها في فضاء عينيه. ودعا الكون يحلم.
” لم تنتظر طويلا/ أخذت معها كلها/ وإليها رحلت.”
رمزي حميدان في تجربته الشعرية، يخالف الشعراء كلهم. ولا يسير على دربهم. يبحث عن البرهات الضائعة في شعرهم. يستأنيها ويحملها بعنايته الفائقة. يصوغ من المهمل والمنسي، ماسات بتجربة جديدة خالصة. ولهذا تراه في حلم دائم، حتى ولو كان غريق هموم الحياة ومشاغلها كلها.
” هل أتوق إلى تلك الظلال/ التي وسوست لي فتنتها.”
رمزي حميدان، شاعر اللقى الشعرية. أضاعها الشعراء، في ظلمات حياتهم، فوجدها هو، ووقف عندها. إنثنى لها وأضاءها.
صمتي حفيف الإثارات/ تموج في الخفاء/ يشل دلس الكلام/ في حضرة العارف.”
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







