فوزي يمين ديوانا
أركيولوجيا الأمس والغد
” بدأت حياتي الشعرية بكتابة قصائد كلاسيكية… تحديدا سنة 1982…إستعادتها اليوم، يعود إلى صوتي الأول الطري والداني… سبق لي أن نشرت جزءا كبيرا منها سنة2011..كل هذة القصائد، القديم منها والجديد، تشبهني اليوم أكثر من أي وقت مضى!.”

قلما إستطاع شاعر أن يعيش يومين في برهة واحدة. شاعر القلق الدائم، وحده من بين سائر الشعراء، تمكنه التجربة من صياغة الزمن كله في قارورة الشعر الموحد: حيث الحنين إلى الماضي، والتطلع إلى الغد. وبينهما شاعر اليوم، بتجربته الفذة، يجعل من يومه حلما دائما. فيه من الماضي، ما يمكنه أن يتطلع دائما إلى الغد الذي يريده أجمل.
في مقدمة النقيب أنطوان السبعلاني “فوزي يمين شاعرا كلاسيكيا: مخطئ من يظن أن فوزي يمين، الشاعر المغرب في الحداثة، قد طلق الشعر الكلاسيكي نهائيا…”
وكتب في الحاشية: “أمس قال لي الشيخ ناصيف الشمر مبتهجا: إن فوزي يمين عاد إلى الحظيرة. إستعدوا لشرب كأس العودة.
“من دون عينيك لا شعر ولا سهر
لا الخمر يحلو، ولا يسترجل الوتر.
لقد بنى البحر في عينيك مملكة
في رجلها تنطوي الأمواج والجزر”.
“كلاسيك. للشاعر فوزي يمّين ، ط١. 2025. بيروت- لبنان. منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة”.
الشاعر فوزي يمّين خلال توقيع ديوانه في معرض إهدن
يكتب الشاعر يومه، ويقرأه في مرآة الذاكرة، فيرى الأبعاد كلها. ويرى ما هو أبعد منها: الخيال الذي يجمل الغد، كما السعادة المرتجاة بالهناءة، لرجل يشق طريقه على دروب الثلج. فما بالكم، إذا كان هذا الشاعر هو فوزي يمين، رجل الثلج. رجل البياض الذي يكلل قمة إهدن الشماء. حملها بين أعطافه، ذات يوم وسار بها، في غربة إنتهت به، حيث إنتهت، إلى خيمة الشعر.
عد يا زماني، وإتسع يا ملتقى
رجع الحمام إلى السطوح، وصفقا
طبشورة الصف التي خباتها
جمعت مواعيد الوفاء، لتعبقا.”
واحد من أثرياء الشعر هو فوزي يمين. الشاعر الزغرتاوي/ الإهدني، الذي لا يهدأ، حين تحوم حوله عاصفة الشعر. تلم به في دربها، وتحمله حملا عظيما، إلى خيمة الشعر، حيث راحته الأبدية بين الأمس والغد.
“بالأمس غبت، وأرخى شعره الوتر
وبعلبك الهوى، ماجت بها الصور”
شاعر وجداني رقيق العاطفة، لا ينسى الأماكن التي عاشها. ولا ينسى الأصدقاء الذين كانوا من الشمل. ولا ينسى المحبوبات اللواتي هن عرائس الشعر. ليس على طريقة شعراء الأطلال، وإنما على طريقة شعراء النجوم. فلهو أسوة حسنة بكل شاعر لبناني، عاش غربته وإمتلأ بها. وما أضاع الدرب إلى بلاد الثلج والأرز.
“نموت والجرح يالبنان مبتسم
ما أطيب الموت حين الجرح يبتسم.”
قالوا عن الشعر، إنه ديوان العرب. يسجلون فيه يومياتهم وأحداثهم وما يعلق بقلوبهم. وما تحمله ريح أثوابهم. قالوا عن الشعر، إنه علم الأركولوجيا الصادق. الذي إذا وصف، كان صادقا في الوصف. وإذا أحب كان صادقا في الحب. وأما إذا ما تحدث عن الأماكن وعن الأصدقاء وعن الأحبة والأحباب، فإنه لا يعرف طريقه، إلا إلى ما يقع تحت عينيه وبين يديه ويصافح به خديه، حتى يندى له عشب الأرض التي أحب.
” إزميل مهلا، عندك الخبر
ماذا يقول بصمته الحجر؟”
أتحدث عن فوزي يمين الشاعر الأصيل، الذي هو كل ذلك وأكثر. ما غادر أطلاله. ولا غادر أحبابه. ولا غادر أصحابه وصويحباته، كشاعر عريق الشعر. يأتيه الشعر معلقات معلقات، يصوغها من ذهب الشمس ويعلقها على جبل مار سركيس في إهدن، فوق النبع، حيث لا يغيب الناس، ولا تغيب الشمس.
“وعدي أعود، ومن قلبي، وقصتنا
ميعاد حب،فهل يأتي الذي وعدا.”
ديوان فوزي يمين: “كلاسيك” أراد منه أن يثبت تجربة، تأخذ في التجدد كلما تعتقت خمرتها. لا تشعر بمرور الزمن عليها. لأنها خيط الزمن المدهش. بل خيط الدهشة في زمن لا يمر عليه الزمن. إنه مرايا الغابر والحاضر والغامض الذي سوف يأتي غدا. حلاوة عظيمة، فيه من طعم الكروم الإهدنية، وفيه من عشب المروج المرداشية، ما يجعل القلوب المغلقة تتراقص طربا. فما بالكم وأنتم تقرأون شعره الكلاسيكي الحقيقي، فيخيل إليكم أنكم أمام شاعر حداثوي رقيق الأبجدية والعاطفة.
“أمي أنا، إن رأيت العمر متكئا
على عصاه، حسبت الأرض لم تدر.”
فوزي يمين، صديق أكابر الأدب والشعر والفن والنقد. بين برديه عود يطرب. وشاعر يستخفه الطرب. بين يديه، يتراقص الشعر قصائد قصائد، كأنه من جنى قفران مار سركيس وعسلها المصفى. كلما راجعته، علق بقلبك علوق الأحبة الذين لا تنساهم الأيام ولا الليالي. تراهم في قصائده يهتفون لك: نحن هنا. نحن الهناء. رقائق شهد جناه نحال عتيق أسمه فوزي يمين، وأسميه رجل الأركيلوجيا، الذي ينسج الغد واليوم من قمصان الأمس وقفطان الزمن الذي يواتيه، كلما صاح له، من فوق وادي قنوبين، ومن دير مار قزحيا.
“في القلب ذكراك والأشواق تأخذني
من أول الناي حتى آخر القصب.”
ولا عجب! يطل اليوم علينا فوزي يمين، من منتدى شاعر الكورة الخضراء. يأنس هناك بعناية مؤسسة، صنعتها يدا شاعرة راقية، الأستاذة المهندسة ميراي شحادة. تعرف كيف تستمطر الشعر في المنتدى الذي حمل اسم والدها الشاعر الراحل عبد الله شحاده ، في زمن الجفاف، وتملأ منه الجرار حين تجف الينابيع. وحين تتيبس عناقيد الكروم. حيث الشعر آنئذ: قتيلا على أرض البخلاء عليه، ولو بالأشارة العذبة عليه.
“أنت القصيدة، ما أنا؟ رجع صدى
عبثا يمر الزمان على الزمان، ويلثم.”
السيدة الأستاذة ميراي شحادة تعرف كيف تملأ في دارها خوابي الشعر المصفى. وها هما اليوم : الشاعر فوزي يمين والناشرة الشاعرة ميراي شحادة، يحتفلان، بكؤوس الشعر من ذهب وفضة. تؤرخ لمجد قديم، يأتي على جواد أصيل، إلى خيمة الشعر الجديد، حيث تضرب له السيدة ميراي شحادة ، كما كان يفعل القدماء إحتفاء به ، قبة من أدم أحمر.
” كل الذين مشوا في العتم، غاب بهم
ظنوا: إنتهى، إنما بالشمس قد طلعوا.”
شعر فوزي يمين، شعر مرحلة مضت، شاهدة على مرحلة آتية. وهل الشاعر فوزي يمين في جنبيه، إلا رجل الأركولوجيا، أمس وغدا… حين ينكب على الأبجدية ضوع قلب، وصوغ عينين، في رؤى متوحدة…
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







