حكي على الريق
كيفما يكون المزاج الصباحي، يكون الحكي على الريق. هناك صلة قوية بينهما. فالمزاج العكر، يعكس للتو بلع الريق. والغصص. والشرق بالكلام. والنشفان في الحلق. والتلعثم والإكفهرار والتردد في التعبير. يصبح كل شيء بين اليدين ناشفا. حتى الوجه. حتى اليد. وحتى الإطلالة عليك، من بعيد.
هكذا يبدو الجبل أسود. وهكذا يبدو الطقس رماديا. حتى السماء الزرقاء الساطعة بالشمس، نراها مصفرة ومغبرة ومتشحة بالغيم الأسود المتفحم. نرى كل شيء كريها، مقيتا. نرى كل شيء بائسا.
نحدق في نصف الكوب الفارغ. نقول في سرنا : تبا لهذا الفراغ القاتل. تبا لهذا الجفاف، الذي لم يأذن بملء الكوب. ولا نعلم بأن المزاج عكر. وأنه لا يحسن الكلام. ولا يحسن الدوزنة في الكلام.
لا ينضب الكلام اليائس على الريق، حين يعتل واحدنا لرؤيا أو لرؤية. يزداد المزاج العكر، في التحكم بطبيعة الكلام. وفي طبيعة التعبير عن الرأي. يزداد به نشفان الحلق. وتزداد اليبوسة في المفردات. نذهب لإختيار أمرها وأقساها وأوقعها في النفس، من شدة البأس. يصبح كل شيء معتما حولنا. تحل العتمة والكآبة فجأة في العينين. ونمتلئ بالسخط ونشطت بالغضب، وكأن الدنيا كلها، قد أطبقت علينا. وكأننا على شفا حفرة عميقة نخشى من يدفعنا إليها.
لا ينضب الحكي على الريق، ولا ينضبط ضمن قواعد اللياقة والكياسة. تراه يخرج عن لسان شرود، من فم ناقة طائشة. يحصد ما يقع عليه حصدا، بلا إمعان وبلا تفكير وبلا روية وبلا تقدير. يطال ما تقع عليه اليد، ثم يمعن في الحرتقة والحزوقة واللوذقة والطريقة والهتك والتمزيق. يأتي برخيص الكلام من السوق السوداء. ثم يمعن في الإنشاء. بلا قواعد أدبية. وبلا إنضباط.
يا لهول المأساة، حين يخرج الكلام من الحلق جافا، على الريق. كل كلمة أقسى من العود المر. وأوقع في النفس من النبل. ترى الزبد والرذاذ والرغوة الصفراء تنبع من أقصى أعماق الحلق، وصاحبها غير آبه بمن أصاب، وبمن يصيب في الطريق. صاحبها غير آبه، بأنه يذرب على نفسه وعلى ثوبه من سفيف الكلام.
الحكي على الريق، في الصباح، قبل صياح الديك، والمزاج عكر كعاصفة هوجاء؛ مثل مرشاق من النار، تحرق أينما تقع. وتجعل الأبدان كما النفوس، منخورة بالبقع السوداء. تجعل الشخوص مثل مهاوي الجبال، تسيل مع الطمي والخشب، والحجارة والأرواث، إلى قعر الوديان.
حذار الكلام على الريق، إذا ما إعتل المزاج. يخرج من الجوف الكئيب. يخرج من جوف صاحبه المكتئب، ويلدغ حيثما يصيب: يشوه الحقائق. ويبدل الوقائع. يحطم صاحبه، يهشم أنفه. ويؤذيي نفسه، أكثر مما يؤذي الآخرين.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.








