كتبت الأديبة دوريس علم خوري رسالة إلى السيدة فيروز ، قالت فيها :
عندما نادتني الكلمة إلى بيت طاعتها،
لم أعد مثل امرأةٍ مجروحة تُلبّي نداءً مفروضًا،
بل عُدتُ كما تعود السلالةُ الأولى لفجر التاريخ،
حاملةً في دمي بكاء الأمهات،
ووجع السلالة التي ودّعت أبناءها عند بوّابات السماء.
لم تكن الطاعة إذًا كما تُكتب في قوانين البشر،
بل كما تُرتبها الملائكة أمام سرِّ البكاء الأول.
عودتي هذه، كانت واجبَ عزاءٍ لسيدة المجد…
تلك الطاعة الممهورة بالحزن، والمخطوطة بمداد الدمع :

فيروز لكِ المجد يا صاحبة المجد
يا من حفظتِ في قلبكِ سرّ خلودكِ،
كما حفظت مريم سرّها في صدرها،
وما زالت الأيام تشهد على تمجيدها منذ أكثر من ألفي عام…
أنتِ، يا أيقونة الزمن الجميل،
لكِ المجد،
ولعائلتكِ التي نثرت حبات قمحها في صمت،
وغنّت للحقل كي لا تمتدّ إليه يد إبليس،
تقطف القمح وتترك الزؤان.
عينكِ الساهرة لم تنم،
ولا نام الحقل في حضن عينيكِ،
أيتها الحارسة على بقعة ضوء
وسط عتمة لا يبددها إلا المجد.
كم كثرت اللاطئات،
يتحينّ الفرص ليسرقن صولجانكِ،
كم من عثرةٍ نُصبت في طريقك،
وما انزلقتِ،
وما تراجعتِ،
بل رفعتِ الوجع إلى مرتبة القداسة،
وجعلتِ الحدادَ نشيدًا،
والفقدَ صلاة،
والدمعةَ مجدًا يُبارك الأرضَ التي مشيتِ عليها.
في وداعكِ لابنكِ…
سكنتِ سكون الأنبياء،
فارتجفنا نحن،
ارتجف الشعر،
ارتجفت فينا الكلمات.
لأنكِ لم تبكِ كما الأمهات،
بل أنشأتِ من الدمع ترتيلة خلاص،
من الصمت مذبحًا،
ومن الحزن أملًا ينمو كالسّنابل.
لكِ المجد،
يا صاحبة المجد…
يا مَن لا تُقارن بغيرها،
ولا يُقاسُ حضورها بالكلام،
لأنها وحدها من غنّت حين صمت الجميع،
وبقيتِ نورًا
حين انطفأت المدائن.
الأديبة اللبنانية دوريس علم خوري







