شارع الفن
هذا النوع من الشوارع يكتسب ميزته، بل يبدعها أيضا، من خلال الإبداع المختلف، ومن خلال إبداع الفن المختلف. وقلما يتوافر مثل ذلك، في عالم الإبداع. وفي عالم الفنون أيضا. فلا مدينة بلا فنون. ولا بلاد بلا فنون. ولا شعب بلا فنون. و بالرغم من ذلك، لا تستطيع هذة المدن ولا تلك البلاد ولا هاتيك الشعوب، أن تتميز بشارع الفن، وأن تعلقه على صدرها. وأن تعرف بهذا الشارع. وأن يصبح هذا الشارع سمتها وصفتها، وأن يكون بالتالي هو اللوغو-Logo، لها. أعظم بكثير من جميع المفاتيح التي تعلق على صدر المدن. وأعظم من جميع الأوسمة التي تهدى أو تمنح لها.
الفنان زياد الرحباني ( بريشة الفنان التشكيلي عبد طويل )
يظهر فجأة مبدع مختلف: شاعرا أو كاتبا أو فنانا مختلفا، سرعان ما يسم المدينة والبلاد والشعب بميسمه. وسرعان ما يصير شارعا بأكمله. وسرعان ما يصير زمنا بأكمله، لا يضيع بين الأزمنة المحتدمة
ظهور زياد الرحباني فجأة، كفنان مبدع مختلف، ولو في وسط الدوحة الفنية الرحبانية الرحيبة والعظيمة، جعل منه شارع فن بأمه وأبيه. أسباب الإئتلاف مع الدوحة الرحبانية، ليست هي نفسها، أسباب الإختلاف عنها. أو لنقل أسباب تميزه عنها. ليس هناك مجال للشرح والتوضيح والتطويل، في هذة الناحية أو تلك من فنه المفاجئ، وإنما هذا هو واقعه الفني الذي حضر له و فاجأ الأسرة والناس وبيروت والبلاد به. فصح أن نقول فيه: إن زياد الرحباني، شق شارعا مختلفا للفن. وكدح فيه كدحا حتى يلاقيه ثلما. ثم أخذ يحفر بالريشة والمعول والقلم. باللون والصوت. بالآلة وأخواتها. بالمسبار الدقيق الذي مكنه وتمكن منه، بل في الخيارات الدقيقة و الصعبة، وفي البرهات القاسية مثل مسامير على بدن، ليكون بعد ذلك غرسه. فنهض مثل هذا النهوض المختلف. وإنشق كما شرنقة، يريد أن يكمل دربه في العلو و التحليق. وينادي على صائد الفراشات، حتى يذوب في القنديل.

زياد الرحباني الذي فتق موسم القز والعز، صارمن بعد، طريد بيت أبيه. يحمل على كتفه كما معلم منفرد، خشبات نحيلات، هي خيبات وخشبات مسرحه المختلف الذي أضناه حتى غار فيه، كما الضوء في آخر الشارع الذي تركه خلفه، وشما على بدن، وذاب فيه.
من الصعب أن تجد أبجدية، ليس فيها شارعا بإسم زياد. من الصعب أن تجد مسرحا، ليس فيه شارعا أسمه زياد. من المستحيل أن ترى شاشة، لا شارع فيها لزياد. من رابع المستحيلات، أن لا يكون زياد، قد فتح فتحا مختلفا، في الأغنية وفي الموسيقى وفي الكوميديا وفي التراجيديا وفي فن الإيماء. حتى صار شارعا بإسمه. زياد الرحباني علامة فارقة على طريق مختلف في الإبداع والفن. كان حقا شارعا على جسد، دخل فيه دحما دحما حتى النفس الأخير.
لبنان مجتمع شوارع بيروت. وبيروت مجتمع شوارع زياد. وزياد مجتمع شوارع الفن. سجا بينها فجأة، كما عادته، فصار حيث سجا شارع الفن: في الحمرا وفي المكحول وفي البيكاديلي.
شارع الفن، هو زياد الرحباني، نفض عن بدنه الناحل ثوبيه لوجه الشمس، بعد ستين عاما. صار بيروت. وصارت بيروت زياد: شارع الفن، حيث هو هي . وحيث هي هو.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
الكاتب د. قصيّ الحسين







