العي والحبسة والخرس
كنت أسمع عن رجل مات من هول القبر. وكنت أفكر في ذلك كثيرا. أقلب نظري. وأستغرق في تأمل حالة هذا الرجل الذي مات من هول القبر. وكيف عرف قومه أنه مات من هول القبر. كيف تأكدوا من ذلك.
قالوا: إنهم بعد فترة من الدفن، كان يتناهي إلى مسامعهم، أنين وصراخ وضجيج متفاوت، مصدره القبر. وكانوا يظنون بأن الصراخ والضجيج، إنما هو بسبب الحساب الأولاني داخل القبر. وظل ذلك يتكرر على مسامعهم لأيام. فإتجهت أفكارهم، إلى سوء السمعة. وإلى الإقتراف والأرتكاب. دخلوا في معمعة من التفاسير لا تحصى. غير أنهم كانوا يقولون: لم يحدث أن سمعوا مثل ذلك في القبور الأخرى.
وبعد اللتي واللتيا، و التشاور في الأمر، إستأذنوا بفتح القبر. فوجدوا أن الرجل كان قد شق كفنه. ونهض ما ساعده السقف أن ينهض ويتحرك. وأخذ بنبشه و بفتح الفجوات وإزالة التراب، حتى يستطيع أن ينادي قومه، ليرفعوا عنه أثقال الحجارة والترب. فيهربون منه. ويتهربون. ويخشون الإقتراب من القبر. يظنون الظنون.
وحين تأخروا عنه لأيام، وهو ينادي عليهم. ما كان ليجد من يرد عليه الصوت. فصار إلى الضعف شيئا فشيئا وكان مصيره الموت.
تأكد قومه من ذلك أنفسهم بأنفسهم. ووقف بعضهم إلى بعض. كانوا يتناقشون في الأمر. إستعادوا يوم هوى أمامهم. وكيف تأخروا عنه. وكيف دخل الرجل في غيبوبة. فسارعوا بغسله و بالكفن. وبالحمالة. وحمل على عجل إلى القبر. وإصطفوا بعد ذلك للعزاء. وللترحم عليه، وطلب المغفرة له.
دخل القوم في نقاش طويل، حول تعجلهم عليه. وحول أستخفافهم بالأمر. وكان أحدهم يقول: لو فعلنا له كذا. أو فعلنا كذلك. لما وقع الرجل وإنكب للذقن. كانوا يلقون الملامة على بعضهم البعض. والرجل مسجى أمامهم من جديد. وقد شق عنه الكفن. وانشق عنه القبر. ولكن هيهات أن يعود. فقد قضي الأمر.
أما أهله، فقد أصابهم شيء من المس: واحد أصابه العي. والآخر أصيب بالحبسة. وأما الثالث، فقد أصابه الخرس.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







