قانون الأعداء
ليس هناك وجهة نظر واحدة. هناك زوايا وتعرجات. هناك تلال وهناك وديان. وهناك أمواج تأتي وتروح. هناك بوادي. وهناك بحار وجداول ومحطات. هناك سطوح وهناك قيعان. وهناك إنسان حيران، لا يعرف أين ينظر ولا متى ينظر. يقف على رأس تلة. أو على حافة بئر. ثم يرسل نظره. يريد أن يرى. فتختلف عليه الرؤى. لا يستطيع أن يحدد المراد ولا الصفات. لا يستطيع أن يحدد المأمول ولا النتائج، قبل عقد المقارنات.
هذة حالة عامة. حالة الإنسان بصفة عامة. وهو واحد أينما كان. وكيفما كان ينظر. ومتى إشتهى النظر في نفسه، أو فيما حوله. تتعدد دنياه، بقدر ما تتعد الأشياء. لكنه يظل واحدا متحدا متوحدا حول نفسه. تدور به الأرض، فيظن أنه هو الذي يدور. وينسى نفسه وطبيعتها، بأنها تستمد غايتها مما حولها. ولهذا تتعدد الغايات في نفسه، وكذلك الطموحات.
لا ينجو المرء بذاته، إلا حينما يتأقلم مع قانون الأشياء. لا يعود بعد ذلك تنطلي عليه خدع الطبيعة. ولا خدع الأبصار. ولهذا عليه أن يخفف من غلوائه. ويهمس في عمق أعماقه: هذا هو قانون الأشياء.
في الوحدة، كما في المجتمع، الأمر واحد في الإنسان: هو أن ما حوله يتغير. أما الثابت الوحيد هو عمقه الحقيقي والطبيعي. ولا شيء يقل أو ينقص. بل يتغير. يتقلب من مزاج إلى مزاج. يكفي أن نعرف أسرارنا. نرتاح بعد ذلك. نرتاح كثيرا من ثقل الجبال. ومن لطمات الموج. ومن جلد العاصفة. ومن صقيع الجليد. فقط علينا أن نستحضر أنفسنا ونبلغها أن هذة الأشياء قادمة عليها. فنتحضر لملاقاة الأمور كما هي. بكل صبر وبكل أناة.
يعيش الناس فرادى ومجتمعين. ولا عيش خارج هذة المعادلة. خارج هذة الثنائية التي ننخرط فيها منذ أن ندب، وحتى أن نستريح. فلا حاجة لنا إذا، لا للعويل ولا للصراخ. لا حاجة لرفع الصوت أكثر من المعتاد. لا حاجة للإنكماش ولا إلى الشتات. فذلك لا يجدي نفعا في قانون الطبيعة. ولا في قانون الأشياء التي تمس أبصارنا وأروحنا. علينا أن نفهم مسبقا أن الأمور إنما تندفع علينا. تندفع نحونا. ونحن آنئذ، إنما نلتقطها، إذا ما صادفتنا. فالناس جميعا تحت سقف قانون الصدفة. وقانون المصادفة.
يصنع الإنسان العلوم التي يستطيع أن يصنعها. وإذا ما قصر عن بلوغ غاية، فإنما يكون ذلك حظه. فنحن نسير إلى غاياتنا بعلومنا وبحظوظنا. ولا داعي لجلد الذات، مهما كان هناك من نقص. فلنثبت النفس على النقص الذي يحول دوننا. ولنقر بقاعدة النقصان في الحياة. ألم يقل الشاعر منذ قديم الزمان: “رأيت العمر ناقصا كل ليلة”.
فلنتحاش تطبيق “قانون الأعداء” على أنفسنا. نعاقب أنفسنا بأنفسنا. ونجلد ونسجن ونحكم بالويل والثبور وعظائم الأمور. فلا نفع ولا إنتفاع من كل ذلك. فقط علينا أن نستمر في السير بكل جاهزية. بكل جهوزية. فقط علينا أن نبادر بما تملك أيدينا: همة ورشاقة. وعلما و عملا ومثابرة. وبكورية كما الأطيار إلى الشمس والماء. وملاقاة الذات كما هي، بكل شغف. وملاقاة الناس كما هم، بكل حبور.
الجاهل وحده عدو نفسه، بمقدار ما هو عدو غيره. والجاهل وحده عدو غيره، بمقدار ما هو عدو نفسه. فلماذا إذن نحكم في رقابنا قانون الأعداء.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







