“مناجاة الغلاف الأخير”
نص للأديب الشيخ فاروق غانم خداج*
*( كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني)
-×-×-×-×-
في عتمة مكتبة مهجورة، استكان الكتاب على رفٍّ عليل الضوء، كأنّه شيخ نُسي في زحام العصر. كانت ألوان غلافه قد بهتت، وأوراقه تفوح بعطر القدم، ذاك العطر الذي لا يصنعه الزمن، بل تنسجه الأرواح من دفء الحكايات.
من الجهة الأخرى للغرفة، كانت الإنترنت تتلألأ بشاشتها النشطة، ترقص بألوانها، وتغري صاحبَ الغرفة بصورٍ لا تستقرّ، ومقاطع لا تهدأ.
وفجأة، وعلى غير عادته، تنهد الكتاب بصوت لا يسمعه إلا من كانت له أذن القلب:
“أيا صاحبي… هل خانك الوفاء، أم أعماك البريق؟ أما كنتَ بالأمس القريب تلوذ بي كأنك تلوذ بظلّ أمّ؟”

لم يلتفت إليه أحد. لكن الإنترنت التفتت، وابتسمت باستهزاء مُذَهَّب:
“يا من تحفظ الغبار بين أوراقك، أما علمتَ أن الدنيا قد تسارعت؟ أنا السرعة والحداثة، أنت البطء والرتابة. أنا المدخل إلى كل العوالم، وأنت سطر بعد سطر، ومملّ لمن استعجل الزمن.”
رفع الكتاب هامته ببطء، وكأن الصفحات تسري فيه أنفاس الحكمة:
“أجل، أنا بطيء… لكنني لا أعدو خلف اللاشيء. أنا لا ألهو، بل أُنصت؛ لا أضيء، بل أُنوِّر. فيّ عُمق لا تدركه العيون المتعبة من التمرير، وسكينة لا تهبها لكِ العواصف الإلكترونية.”
توقفت الإنترنت، ثم قالت:
“ولكنك أصبحت متحفًا، تُزار نادرًا… وتُترك غالبًا.”
فأجاب الكتاب بصوت أشبه بتنهيدة الحبر:
“قد يُهجر النبع حين يتهاطل المطر، لكن المطر لا يروي الجذور كما يفعل النبع. أنا الجذر. أنا من منح الإنسان أوّل معنى، ومن أنطقه أوّل سؤال، ومن وشوش في أذنه بأنّ الكون لا يُرى إلا من الداخل.”
ثم أطرق رأسه، وتابع، وكأنّه يخاطب قلب صاحبه مباشرة:
“كم مرةً بكيتَ على صفحتي؟ كم مرةً قهقهت بين سطوري؟ كم وجدتَ في عزلتك صحبتي؟ أما تتذكّر؟”
أحسّت الإنترنت برعشة خفيفة. هي لا تعرف الدمع، ولا تدرك حميميّة الورق. فانسحبت في صمت.
أما صاحب الغرفة، فرفع رأسه من الشاشة للحظةٍ قصيرة. نظر إلى الرف… نظر إلى الغلاف الباهت… مدّ يده، وأخرج الكتاب من عزلته.
وبين أصابعه، تنفّست الأوراق من جديد.
قال الغلاف، بصوت لا يُكتب ولا يُسمع:
“ربّما لم أمت… بل كنت أنتظر فقط أن تعود.”…
الأديب الشيخ فاروق خداج







