وفيق غريزي كتابا
هكذا يستيقظ الأقلام!
“روى حقوله بالدمع والحب… فأثمرت إبداعا… وأفرد مكانا للقلب والوجدان، فعاش في ألفة مع الكلمة.”
حين يسيل الأدب على الروابي ويجري في الوديان ويعمر الحارات والحقول والسهول، ويكسو بوشاحه الآخاذ القمم العالية، يكون هناك وفيق غريزي، شاعر “الأبجدية الهوجاء” ك”بنت هوى”.
“وفيق غريزي. شاعر الأغوار والقمم. كتابات لمجموعة من الشعراء والنقاد. دار فواصل للنشر. رأس بيروت- 2025: (190 ص).”
لا يدع غريزي قلمه يستريح. ولا يدع أوراقه تجثو على بياض يومها. كذا، لا يدع قراءه يأخذون نفسا، حين يقعون على أدبه الجم الغزير. يسعون وراءه، يقتطفون منه باقة. ينسجون منه ياقة. ويتبعونه حيث سار. وحيث ضرب لأدبه القباب، سواء في المحافل، أو على رؤوس المشاعل، أو في القراطيس، أو على موجات الأثير.
“المجد كل المجد لأطفال الروح القائلين الحقائق الناجعة..”
لا أعرفه يهدأ عن الشعر، مذ عرفته. كان ولا يزال في عيني أفقا من الموج، يفتقها زنابق زنابق، ويدعو الملاحين السلاطين، لا العبيد، أن يتنكبوا ريحه. يتبعونه حيث يستريح.
“آل غريزي على نفسه إلا أن يستقصي حالات النفس، ويستفتي دقائقها..”

وفيق غريزي، كما في أقلام الأدباء والشعراء الذين إجتمعوا على مائدته يأتدبون، هم أكثر الناس خيرة وخبرة، وأجملهم خيارا. وهل يستطيع أمرؤ أن ينجو في يومه، من رشقات الشعر التي يطلقها وفيق غزير كصيحة نهار.
” ذروة الإبداع والإنفعال الإبداعي لا يبلغها إلا النفر القليل..”
يستيقظهم وفيق غريزي كل يوم. وغب كل كتاب ومجموعة… أو حتى نثرية من نثرياته الذهبية، ويدعهم ينشغلون بها، ليمضي إلى غيرها.
“جمع وفيق غريزي في ديوانه ما أهدته إليه عبقرية الشعر…”
وفيق غريز في أقلام أصدقائه ومحبيه، إنما هو نبع لا يهدأ عن سكب الكؤوس في الكؤوس. يعرفنا ظمأى شعر و أدب. يقدر وقائعنا في الحرمان والبحث عن العدالة والحرية. يعرف مقدار شوقنا إلى المحبوب. وكذا مقدار عشقنا للوطن. يقرأ في وجوهنا الخيبة والقهر والظلم، فيجثو على ركبتيه، يقرئ التراب دمعه ودمه. ثم إذ هو يلتفت نحونا، لا يقول وداعا. بل يقول الطاعة والطواعية للحب الجميل. حب الأهل والأصدقاء والخلان. يعلم الأوطان أن لا تبخل على أهلها. أن لا تدعهم يموتون على إسفلت شوارعها. أن لا يكون غرقى دمائها.
“كتابك سابق لعصرك وزمانك…”
هكذا يستيقظنا حقا، وفيق غريزي، فيجعلنا نهرع إليه. نتلمس بين يديه طاقة الأدب والشعر. وسعفة الحب الخالص. ومشعل الوفاء للإنسانية المعذبة.
“وفيق غريزي إهلا بك شاعرا…”
وفيق غريزي، كما في أقلام أصدقائه ومحبيه، هو كوكبة من خيول الصباح. يحبون شمسها والبوادي. ويعشقون سماع حوافرها وهي تستفز الغبار والغبراء..وتجعل عشاق الأدب والشعر، يهفون إليها.
” في المرة المقبلة سيأتي غريزي بكتاب يتكلم فيه عن شريعة الأرض وإحتمال وجودنا على هذا الكوكب.”
ما رأيت وفيق غريزي على القراطيس، أو على موجات الأثير، إلا قطعة من عذاب. يشوق النار. يشقق الصقيع. ويثير العواصف وراءه. يحرضها على اللحاق به…. فهلا عرفتم الأكمات كيف تطير. تلحق بمن إستأمنها حياته وخلد إليها. تأخذ بأذياله حين الفراق. وتجعل من أثوابه رايات ريح.
“هذا ما ننتظره منك يا وفيق..”
يستيقظ خلانه، وفيق غريزي عند هبوط الليل. يطلق دعوته للنفار. يتكوكبون معه وراء دثار وشعار. هو الذي يخرج من عمق الليالي، متدثرا ينذر.
” لم تسحقه آلام أمته. بل راح يحرث القول من جديد ويزرعها قمحا وأزهارا…”
وفيق غريزي شاعر الأغوار والقمم،كما في عيون كوكبة من الأدباء والنقاد، هو حقا كذلك. وهل يمكن أن يكون إلا ذاك، وهو الذي مضى به القرن، مثل سهم فوق القباب. يخطر بين الرباب. يعشق غيمة ماطرة، يروي بها عطش أجيال، نامت على ندى. وإستيقظت على نار.
كيف يخفي دمه عن أمة سائبة. كيف يخفي دموعه عن شموع ذائبة. كيف يخفي شوقه عن مهج لوعى، نصبته على باب الوطن علما، يدفع بيديه العاريتين كل مثلبة…
” هذا الكتاب ينبئ بمواعيد لزمن جديد… يتجاوز الصناعة البشرية بما تحوي من طائفية ومصالح ضيقة، إلى الرقي والشفافية والسلام.”.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د.قصيّ الحسين







