الأدب حيث يمكن
كل إمرء يمكن له أن يحجز لنفسه موقعا من الأدب. هذا الفن ليس موقوفا لطبقة معينة من الناس. بل هو عام وشامل، مثل سائر العلوم والفنون. يصيب منه الشخص نصيبه، على قدر من علمه به، بلا زيادة ولا نقصان. وبقدر ما يصرف له من جهد، يرقى به إلى المنعرجات. يسلك به الدروب الحلزونية. ينتعش فيها. يتبيئ. ثم ينمو ويتطور. أو تخبو ناره وينطفئ أواره. ويصير إلى أدبه، تماما كما يختار لبدنه ما يناسبه من الثوب.
ليس هناك قطعا من يخلو من الأدب. أو من الهم به والإهتمام والإنشغال. فللأدب علوق بالنفس، منذ الولادة. ولهذا قيل على مر السنين: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”.
هذا بأقل تقدير، هو جزء من الحقيقة التي يعيشها الإنسان في قرارة نفسه. تراه يمضي في تمثل حاضره، من الأهل والطبيعة والكدح والعمل والعلم والرزق، حتى يجني لنفسه بيدرا من الأدب الذي يحوشه بيديه. فالأدب هو هذا الكل الذي بدأ يأتدب به، منذ دب على الأرض. إنه حقيقة، جنى العمر. ولهذا يصعب تحديد الجنى، إلا بصورة شخصية. فلا يستطيع المرء أن يستعيره من غيره، لأنه هو كسبه اليومي. وهو بالتالي صنيعه وصنع يديه.
يتفاوت الناس في جناهم من الأدب. كما يتفاوتون في جناهم، من الثروة. ومن المال. ومن النقد. والجزء الأساسي منه، إنما يقوم على تحصيله وعلى الوعي به. كما يقوم على العلم. ثم لنرى الأدب يتدرج ويرقى عنده، بمقدار ما وفر له صاحبه من علم ومن عمل ومن جهد.
الأدب حيث يمكن. نعم، لأن إمكانية تحصيل الأدب متفاوتة ومتنوعة. وهو بالإضافة إلى ذلك، عام وشامل. ينال حتما من جميع وجوه الحياة. فالناس كلهم أدباء. لأن الأدب جماهيري على وجه العموم. وهو بعد ذلك، أدب شخصي، على وجه مخصوص. قال عنه كولردج إن الأدب أدبان: الأول عام وشامل، ينتجه الخيال الأولي. والثاني شخصي وفردي، ينتجه الخيال الثانوي. ولهذا نقول إن الناس جميعهم أدباء بالخيال الأولي. وهم متمايزون بدرجات الأدب في الخيال الثانوي.
الأدب حقا، حيث يمكن. ومن الجهل به، أن نقول عن الناس، إنهم على غير دراية به. ومن قال أن أي متأدب، يعرف أكثر من حظه من الأدب. فالحظوظ منه متفاوتة. غير أننا لا نستطيع أن ننفي صفة التأدب عن أي شخص. لأن الأدب حيث يمكن. ولكل منا نصيب منه، ولو كان ضئيلا للغاية. ونستثني حتما أهل الإختصاص. فهؤلاء قد إتخذوه صنعة لهم كما يقول شوقي ضيف، حين أوجز فقال: “الأدب صنعة وتصنع وتصنيع”.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين







