جنان خشوف روائية
أنطولوجيا الوحدة النفسية
” ندخل في بداياتنا كالحلم. نعرف أن النهاية حق. وأن موت الحكايات مسدد سلفا. تشتري مسدسك مع تذكرة البداية لتطلق ناره بإتجاه أوهامك السبية بعد إنتهاء صلاحيتها…”
البرهة الأصعب في الحياة، حين تنشق النفس عن وحدتها، وتأخذ في التشظي كما النوى تنفلق. وتأخذ تحدث نفسها بنفسها المعجزات. وتصير دنيا وشريعة وغابة وشمسا وكربلاء. فالتطورات لا تأتي من العدم، بل من كمون البذرة، حتى توافيها الفصول فصلا فصلا. وليس هناك من يستطيع دفع النفس عن وحدتها، إلى المعجزات الكامنة فيها. فهي التي تشقق لنا الكون الداخلي، والكون الخارجي، وتجعل الكونين في عراك دائم، أسموه جدالية الحياة. وأسميناه أنطولوجيا الوحدة النفسية، للذات الإنسانية الصلبة كنواة.
” جنان خشوف: مسدس سلف. منتدى المعارف. بيروت: ٢٤٠ ص. تقريبا”،
تروي بماء الكتابة دموع عينيها، حين إنشقت النفس عن وحدتها، وتشظت في عوالم مختلفة عظيمة، تتطايرت تحت قباب السموات السبع. وكذلك في الأرضين، من حقولها التي كانت تهيء لها الأتربة. فالنواة الصلبة القاسية، التي إنفلقت بقسوة الطبيعة وقوانينها التي لا ترد، أبدعت على يديها هذة الفصول المتلألئة، بين الإنتماء والإحتضان. وبين الحب والخيانة. وبين التوطن والهجرة. وبين القبول والرفض. وبين الرواية والشعر.
” أغلقت هاتفي وقفزت إلى سريري كالسارقة: لا…لا… ليس الليلة. لن أكون لأحد الليلة. الليلة أنا وحدي أملك نفسي..”

“مسدس سلف”، تقول كل ذلك وأكثر. وما أعظم الأبجدية، حين تدحو عجين التجربة. ثم تأخذ أشكالها المختلفة بالتمظهر، بناء لإرادة الإنبثاق، إلى الضوء والماء والصوت. فالعفوية في جميع الولادات الفنية، تدفع بها حتما قوانين خفية. لا مهرب منها. وهلا رأينا نوى، غير عصية على الإنفلاق، إلى أشكال، بل إلى فصول بل إلى تلاوين مختلفة. إنه أدب الرواية، الذي يحمل في ذاته مجازا، لحياتنا في جميع فصولها، وفي جميع أوقاتها. وفي جميع أمكنتها التي دببنا إليها، ودبت فينا.
” ليلتها دمعت عينا وصال، ولم تنبس بكلمة، وهي تلملم فناجين القهوة الفارغة. أخبرتها أنها بسخافتها، جلبت لنفسها المهانة. فلو لم تدافع بهبل عن سامر، لما ردت أمي هذا الرد! ومن يطرق الباب يجب أن يتوقع الإجابة.”
الروائية جنان خاشوف، تأتي بتجربتها العذراء، ثم تأخذ مكانها من الشمس، لترى كيف تتفتح فصولا. وتتلون بالوان القباب التي عاشت تحتها، وتنتظر سقيها، من الرباب، الذي ينهمل فوقها. إنه الحب الذي يمثل الإكسير الصانع لوحدة النفس. والذي سرعان ما ينبلج على يديها صباحات وردية. وغيوما شتوية. وقهرا وموتا، وخيانة زوجية.
” أنظر إليه، وهو يختفي كضوء النهار مع الغروب. أركض خلفه فأجده وهما. أصرخ به. أصرخ له. أصرخ منه. ومن ألم الفراق. فأجدني بكماء أتعثر بدموعي، فهو يطير نشوة إلى الجنة. يغادرني راقصا فرحا.”
جنان خشوف، لا تعاني من وحدة النفس، بل مما يسمى عقدة النقص، في العوالم التي عبرت إليها. هناك كانت النجاحات والإخفاقات و والخيبات. وأمور أخرى كثيرة. إجتمعت بين يديها وهي تصوغ عملها الروائي الرائع، وكأنها تكتب عن نفسها بنفسها. ولم لا!. وهل العمل الروائي، إلا ضوع نفس معذبة. بل مبرحة بأشواقها المشتهاة. وبخطوط وجهها الحزينة. وبكفيها الناحلتين القابضتين على الجمر، حتى الرماد الأخير. وكيف للمرأ، أن يتباطأ في خطوه إلى الشمس، وهو يخرج لتوه من رحم الحياة. هكذا هي الكاتبة الأثيرة جنان خشوف، لا تحب البطء في الكتابة، أو في التعبير عن أمواج النفس التي تضرب جدار نفسها، ثم إذ هي تتفتح أمواجا من الزنابق، على ساحل المعرفة.
“لم أستخدم أنوثتي لتاريخه. وكنت قد إحتملت عرض الغرام، ونظرات الملام. ولكنها جدتي! وكنت على وشك الإستسلام، حتى رمقني بنظرة النصر الإلهي، لتتغير قوانين اللعب.”
جنان خشوف، تعاين في روايتها “مسدس سلف”، فنونا عظيمة من التجارب الإنسانية، على أرض الواقع. فما بالنا، إذا كان هذا الواقع شديد التعقيد. بل صارما مع صاحبه، الذي آل على نفسه، أن يكسر موجه الهادر بسفن، هي من شق ضلوعه. ويلحق بفصول الهجرات، من طبقة إلى طبقة، ومن حال إلى حال. خصوصا، وأن الكاتبة، نمت في صدغها، منذ يفاعتها الأولى، جمرة الهجرة، وجذوة القضية. وكذلك جمرات الحب. وجمار المغامرات. وذاقت شذوذ الحياة بكل ألوانها، وهي لم تزل تطلع إلى قدمها الصغيرة. وألى ضلعها الرخص، بنفسه القصير.
“كنت قد قررت مسارا آخر إبتداء من الإثنين. إما تجنبه بالكامل، أو الإعتذار والإنسحاب بسرعة الضوء إلى علاقتنا المهنية الآمنة، لأجد أصابعي الحمقاء تمسك بالهاتف:
الحمد لله على السلامة. هل إنقض عليك الندم؟.”
الروائية جنان خشوف
ترحل جنان خشوف وراء ظلها الذي إرتمى ذات عشق، على أرض الجنوب، ثم أخذ ينسحب بها إلى بيروت. كانت تجربتها مرة. وكانت تتذوق بذلك حلاوة المرارة تحت أضراسها. ثم هاهي تسعى. كانت دبي أرض ظل لها. نشرت يديها هناك ساعية لإلتقاط الوقت بجفنيها. كانت ساعة الوقت أصعب. وكانت مدة العذاب تقاس بأغلالها: حبا وخيانة وأشياء أخر.
” لم تخبرني أنك في دبي؟ فأنت لا تخبرني بتفاصيل حياتك أصلا! وأنا في حفل رسمي، تصلني رسالة منك، صورة لي مواربة. تركز على جسدي: ستكونين لي الليلة.”
لا يكتمل العمل الروائي، بين يدي جنان خشوف، إلا حين يزهر بالشعر. وقلما وجدنا كاتبا معجزا: نثر معقود. وشعر محلول. وأما الرشاقة في الإنتقال من شمس إلى شمس، فهو من صنعة تمارسها بشغف، لا بطلب مسبق. لأن العلم بالشيء هو خبيء يديها الراعفتين تحت سماء المعرفة.
” سرقت منك غفوة/ أو عمرا، أوليلا لم أعرف تصريفه/ رميت ترسي على الأرض/ رميت كل الأصداف التي جمعتها نهارا… فيما تلاحقني نحلة مصرة !.”
جنان خشوف، روائية وشاعرة في آن. يسيل العمل الروائي بين يديها، كما أضاميم السنابل، في المواسم. تجدل بها أطباق الرواية فصلا فصلا. فما أعظم أن تذوق الكتابة من طبقها الروائي، حين يؤول بك الوقت، لقراءة كف السماء العاشرة… وأنت تتابع عذاباتها في أنطولوجيا الذات الواحدة، الصلبة كصخرة من الجنوب.
“حولتك إلى الارشيف…/ إلى أبعد رف في ذاكرتي،/ لعلي أتوقف عن التنقيب عن جثة حبنا./ إن وجدتها سأحرقها/ وأنثر رمادك سمادا… فينبت لي قلب جديد”.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
د. قصيّ الحسين