عندما تأكدت أن أمي ماتت!
بقلم: د. بسّام بلاّن
مَنْ جرّب الغربة وعاش تفاصيلها، يفهم تماماً أن أجمل اللحظات التي يعيشها تلك التي يأتي فيها صديق له أو قريب من بلده محمّلاً إليه بهدايا أهله، وخاصة تلك التي ترسلها إليه أمه.
من ناحيتي أجزم أن شخصاً واحداً من معارفنا لم يعد من بلدي، إلاّ وكان يحمل إليّ شيئاً من يد أمي وأبي طيلة ربع قرن مضت عليّ في الإغتراب، ولاتزال عجلة سنينها تدور.. لدرجة أنني كنت أخجل أحياناً من بعض الأصدقاء لكثرة ما يحملونه لي من طعام وشراب وملابس.. وصلت الى درجة أن أمي رحمها الله طبخت لي ذات مرة أكلتي المُفضلة وجمدتها وأرسلتها إلي من السويداء الى دبي.. وعندما قابلت السيدة التي جاءت بها، رحت اعتذر منها على تعبها في حمل هذه “الأمانة-العبء” كل هذه الكيلو مترات واعتنت بها إلى أن سلمتني إياها بكامل صلاحيتها للأكل.. وأمام خجلي قالت لي: لم يهن عليّ كسر خاطر أمك، خاصة وأنا أقرأ بعينها كمَّ إشتياقها إليك، وكمَّ رجائها “الصامت” لي كي أحمل لك أكلتك التي تحب من يديها، رغم مرضها ووهن صحتها.
وكنت كلما عاد صديق من السفر أذهب للسلام عليه وأعود الى البيت محملاً بعدة أكياس.. أطيب وألذ وأنعش ما فيها رائحة كفّي أمي وأبي، وعبق أنفاسهما.. واحياناً بعض آثار دموعهما العالقة على هذه الهدية أو تلك.
قبل أيام، عاد أحد الأصدقاء من السويداء وذهبت للإطمئنان عليه.. وتصادف وجودي عنده مع مجيء شابيّن لنفس الغاية.. مكثا بعض الوقت، وغادرا محملين بأكياس الهدايا من أهلهما.. وبوضوح رأيت إشعاع الفرح يتطاير من عيونهما.
انهيت زيارتي، وفي طريق عودتي كنت أسأل نفسي: هل نسيت شيئاً؟..
كنت أتفقد يداي ومقعد السيارة جنبي ولا أتذكر..
كان في داخلي احساس يصل الى درجة اليقين بأنني نسيت شيئاً عند صديقي، أو هو نسي أن يعطيني شيئاً.. أما الواقع فكان غير ذلك.. الى أن فهمت بأنني لم أنسَ شيئاً، وكل ما في الأمر أنه لم يحمل إلي شيئاً معه من بلدي..
وعندها فقط تأكد لي فعلاً أن أمي قد ماتت.
د. بسّام بلّان