” أقنعة الذات في السفر السبلاني “
قراءة للكاتب د. جوزاف الجميل في قصة ” السفير الأخير ” للكاتبة جمانة السبلاني
-×-×-×-×-
تسافرين؟ إلى أين؟
سٓفرك الأخير، بل سٍفرك الأخير هو كتاب مفتوح على كل الاحتمالات، باب ندخل فيه إلى عمق الوجدان السبلانيّ.
سفرك هو عبور إلى قلب القارئ، يبحث فيه عن ذاته الهائمة كفراشات حقول القلق.
سفرك انتظار لحظة ٱتية من عمق كون نورانيّ هاجسه الكلمة الواعية الواعدة.
سفر جمانة سبلاني مثلث الاتجاهات: الملجأ والليل والحلم. وهي اتجاهات تؤكّد حاجة الكاتبة إلى الاختباء، من عدو خارجي بحثاً عن الإمان.
اختباء في اتجاه العمق، في ملجأ الذات الصغرى. وفي اتجاه السطح/الليل/ الرمز بعيداً من نور الحقيقة؛ لإن الحقيقة مؤلمة، والكاتبة تبحث عن تعبير لا يسيء إلى علائقها بالٱخرين. إما الحلم فهو ارتقاء نحو عالم جديد يشبع غليل نرجسيّة كبتها حسد الٱخرين وغيرتهم. إنه اللاوعي الذي يثير في الذاكرة عواصف العواطف التي قمعها مجتمع تغلب عليه الأنانية والهوامات.
أنا بحاجة إلى سفر تقول الكاتبة سبلاني. ولكنه سفر أوليسي لا سندبادي، يقف دونه رصد خارجيّ يمنعها من تحقيق المرام، فتعوّض عنه بالنكوص إلى الذات علّها تكتشف حقيقة السحر في ظلال الأحلام.
ساحرة أنت أيتها الجمانة، وأنت تعودين إلى محارك في الأعماق، جوادك الحلم، محققة قول الشاعر المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني…
وإذا حصانك الحلم، وليلك ظلال ملجأ قلقك الوجودي، وبيداؤك الحلم المتفلت من القيود، في سبيل الإبداع.
وحيدة أنت في ملجأ الأمان. ووحدتك شعور بالتفرّد، لا بالانفراد والوحدة. تفرّد يقودك إلى رصف كلمات لا يفهمها الٱخرون. يؤرقك شعور بالعري حين تكتبين، فتلجئين إلى الليل القناع كي تخفي في ثناياه جسم عبارات البوح. وحين يعجز الليل عن إخفاء جسد الكلمات، تحوّلين حلمك والليل إلى قناع جديد هو الموت. ولكنه الموت الذي يساوي الحلم ويتناقض معه في ٱن.
أبعد من ذلك، تشعر الكاتبة في لا وعيها بعقدة ذنب، إثر عملية الكتابة/ الوصال الفكريّ فتنكفئ إلى عالم الظلال، إلى ملجئها المظلم علّها تجد الأمان. وحين لا يتحقق لها ذلك تهرب إلى الحلم، بل إلى الموت، منقذها الوحيد إثر عملية الاعتراف. ولكن الموت المنشود ليس موتاً عاديّاً. إنه أشبه بموت حبة القمح، في الأرض الخصبة المعطاء، كي تولد في المرٱة أحلام ذات نرجسيّة الصفات.
جمانة سبلاني، سفرك نحو المطلق حنين إلى فردوس مشتهى، في ذاكرة اللاوعي. إنه الحنين إلى عالم شهرزاد الحلم، بل إلى شهريار، سيّد الرغبة. وشهريار المرتجى، في بوحك الفضّيّ، لم يكن يوماً، خارج أقنعة الذات.
د. جوزاف ياغي الجميل
د. جوزاف الجميل
هنا نص قصة ” السفر الأخير ” للكاتبة جمانة السبلاني :
-×-×-×-×-×-×-
يُخَيّلُ إلَيّ أنّني أسمعُ صوتاً بعيداً بُعدَ الأزَل حين أتمدّد على فِراشي فأقول: ” أنا خجولةٌ لأنك تنظر إليّ وأنا أموت . كُن لطيفاً ودعني أنعم بتلك السّكرات. يمكنك أن تُمسِكَ قِلادتي، لكنّني لا أملك واحدة .. دعني إذاً أُطلِقُ آخر نفسٍ لي بهدوء …
افتح النّوافذ ، أزِحِ السّتائر ، دع تيار ريحٍ يعصف في البيت يحمل آثار عاصفةٍ آفلةٍ تصفق الأبواب كصفحات كتابٍ يُتصَفَّحُ بسرعةٍ هائلة تهُزُّ زهور الأُقحُوانِ على ملاءة سريري ، تداعب روحي، تريح عجزي. دع رائحة الأرض والدّفء تذهبان رويداً رويدا …
هنا .. حيث أستلقي ، لا أحد يرى.. حيث أقف ، لا أحد ينظر وحيث أمشي تطير الكلمات بعيداً ، عديمة اللّون كالهواء.. أبحثُ بين أشباحٍ مُهَندَمَةٍ عن وجهٍ أعرفُه، ولا أجرؤ على مخاطبتها، فأنا مُستجِدّةٌ في هذا المكان ..
أزحفُ نحو الملجأ الذي جئتُ منه للتّوّ فأراهُ مختلفاً كما كلّ منعطفات شوارع ذاك المكان . أجدُني وحيدةً .. أُجهِدُ نفسي كي أرى وأسمع كلماتي دون جدوى .. تتبعثرُ حُروفي أمامي كحَبّاتِ سُبَّحَةٍ بَلِيَ خيطُها …
أميلُ إلَيَّ .. لا أجد ملابسي التي كانت بالأمس لي ، تليقُ بي . أصطدم بروحي ، أقع مغشِيّةً لساعات .. لأيام .. لا يفتقدُني أحد، ولا يُبَلَّغُ عن غيابي ..
يتمدّدُ اللّيلُ بقربي ، يُحيطُني بأسنانِهِ الجليديّة ، يجعل ربيعي شاحباً .. ينسدِلُ الظّلام ، فلا أسمع سِوى صفّارة قطارٍ يمضي بِرَتابةٍ وملل . ألحقُ به ، أسافر وراء حلمي، فأنا بِحاجةٍ للسّفر ، ولكن ..
صورة الكاتبة جمانة السبلاني المنشورة مع قصتها