أماكن عامة ( الحلقة 1 ):
المرجة
فوق نهر القرية، قبالة البستان، وتحت الساقية الآتية من الطاحونة،التي تغسل حائط الكنيسة، بلا إنقطاع. وبجوار شرار الطاحونة الثانية، الذي يصب في تحويطة الجوز الذي يفصلها عن الطاحونة، لجهة الشمال، وكرم العنب و صار الرمان، الذي يحاذيها، ويباعدها عن الطاحونة الأولى لجهة الجنوب، تقع المرجة، هذة المنقطع من الأرض. هذة القطعة الزمردية الخضراء، التي كانت كذلك، في الصيف، كما في الشتاء، على حد سواء.
كان الأغوات والبكوات، يقصدونها. يربطون أفراسهم بمحاذاتها تحت شجر الجوز في تحويطة الطاحونة. كل فرس إلى جذع جوزة. ثم يفترشون عباآتهم المقصبة، ويتربعون، أو يتمددون على سجادة خضراء من حشيش رزين المرجة، الذي كلما رصته الأقدام، كلما تجذر بترابها.
كانت المرجة مجتمع القرية كلها. يؤمها الرجال والنساء. وكذلك الكبار والصغار. فتصير مرآة لأهل القرية. تنعكس فيها صورتهم، تماما كما هي. بلا زيف ولا تصنع ولا بهرجة. كانت حقا برلمان القرية. أحدثكم عن أرضمنفتحة على الحرية. عن برلمان، بلا سقف ولا جدران. بل برلمان في الهواء الطلق، مفتوح على سماء القرية. يقرأ حرج السنديان قبالته في صدر الجبل الشرقي، سنديانة سنديانة. يتهجى بيوت القرية. بيت الراعي، وبيت الفلاح و عمارة البيك والآغا، سواء بسواء.
تستيقظ المرجة باكرا، مع وضوح الفجر. يأتي إليها الأهالي، مصطحبين أبقارهم، كما يصطحبون أولادهم لساحة المدرسة. لا يهمهم إذا كان الراعي، قد وصل قبلهم. يتركون بقراتهم ويغادرون، لأنها تعودت أن تنتظر قدوم الراعي. فترى منها، التي تبرك. تفترش الأرض. وترى منها التي تقف. وترى منها التي توشوش وتغازل، مثلما يجري عادة في باحة المدرسة. ثم يأتي الراعي، ناظرا. يتعرف إلى الأبقار واحدة واحدة. يعد الصفوف. وفي الساعة السابعة يقرع الجرس. فتنطلق الأبقار. تأخذ طريقها إلى الجبل الغربي وبيدر الفول. تكون لها محطة إنتظار ثانية لساعة. تنتشر هناك في كتف الجبل الغربي. فيهرع إليها من تخلف ببقرته عن الراعي والقطيع. من تخلف عن الركب.
كانت المرجة مؤنسة للناس، في الليل كما في النهار. ذلك أنها، بين الساقية والنهر. يوشوشانها ليل نهار. تماما كما هي بين كنيسة وطاحونتين. وحولها بساتين القرية المحروسة. فما كانت موحشة على أحد، لا من الأهالي، ولا من الغرباء. فهي واحة آمنة للجميع. يقصدها القاصي والداني. يبوح لها بأسراره. فيطمئن لها أنها تسمعه. لأنه كان يجد فيها من يسمعه.
كانت المرجة، تفرغ لإستقبال الأهالي، مع ضحى اليوم، بعدما تودع الراعي والقطيع. يؤمها من إستيقظ باكرا. يأتي أليها بكل أثقاله النفسية. ينفثها هناك قبالة قبة النصر ومار تقلا في وجه حرج السنديان. حتى إذا ما إستقامت له النفس، إنطلق إلى عمله، حيث يكون عمله، في الحقول والبساتين، أو في البيوت والدكاكين. فالمرجة متنفسه الأول، إذا ما الصبح كان قد تنفس.
عند الظهيرة، وبعد أن يعلو النهار وترتفع الشمس إلى الجوزاء، يؤم المرجة المتريضون من الفتيان والشباب. يلهون عليها فرادى وجماعات. كانت لهم ألعابهم الرياضية المخصوصة. فإذا ما أنهكهم اللعب، وأرادوا أن يبتردوا، خلعوا ملابسهم، ونزلوا إلى جب الماء تحت الشرشار. يأخذون دوشا باردا، من ماء الساقية، الذي لا يعرف الإنقطاع.
كان رعيان قطعان الماعز والأغنام، يأتون بمواشيهم إلى النهر. يقيلونها، تحت شجر الدلب، وتحت شجيرات الدفلى والزيزفون، وأشجار الحور والجوز. ويكون إلتئام إجتماع الرعيان على المرجة، عند كل السوانح. وخصوصا وقت الظهيرة، لساعة أو ساعتين. تنزل القطعان من رعيها الصباحي في الجبل الشرقي، فتبترد عند النهر. تقيل لساعة أو أكثر. ثم تتابع سيرها إلى الجبل الغربي. تنتقل من النفل إلى الحمض.
وعصر كل يوم، كان الكثيرون من الأهالي، يخرجون من بيوتهم في طلب المرجة، للأبتراد وللترويح عن النفس. فكنا نراهم حلقات حلقات، نساء ورجالا، يتحلقون دوائر دوائر، تحت ظلال الأشجار، المحيطة بالمرجة. وتصير المرجة صحنا كبيرا قدامهم، يشبعون فيه نظرهم. تعودوا تسريح نظرهم على صحن المرجة، فتمتلئ بمشتهاها النفس.
وعند الغروب، يكون موعد عودة الراعي بالأبقار. فترى الأهالي، يأتون إلى المرجة يتسلمون أبقارهم، مثلما يتسلمون أبناءهم، وقت الإنصراف من المدرسة. وهيهات إن تتوه بقرة من الراعي. ولكن كان يحصل، أن يصيبها التوهان في الحقول، فيأتي بها من يراها إلى صاحبها. كانت الأبقار معروفة عند أهل القرية، مثل الناس، للجميع.
وفي المساء، كانت المرجة للفرح وللسمر وللسهر. يتحلق فيها الرجال، شبابا وشيوخا. تعظم الحلقات. يكون لكل حلقة نجمها. وتسيل العذوبة على ألسنة المتحلقين. وتسمع القهقهات إلى بيوت القرية. ولطالما كانت الأمهات، تتنصت على أبنائها، من مصطبات الدور البعيدة. ومن الشبابيك والنوافذ البعيدة. فيعرفن من كان يتحدث. ومن كان يضحك و يقهقه. ويصغين بإهتمام، إلى كل نأمة إلى كل شجار. إلى كل إشتباك. إلى كل عراك.
كانت المرجة لها ثلاثة شهود: النهر والساقية والعين. تذوب في أمواهها الأقاصيص والحكايات الطويلة، عن المرجة. تذوب في أمواها، الذنوب. ويظل أهل القرية يسهرون على المرجة دهرهم. يقصون ويروون، حتى أفول نجم الذنوب.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.
ر. قصيّ الحسين