من أنا ؟
يولدُ الإنسانُ وينشأُ في عائلةٍ أو بيئةٍ حيثُ يسعى طيلة حياته كي يفهم ويحدّد من هو ضمن هذه المجموعة – المجموعة الصّغرى في البدء أو الكبرى بعد حين- المهمّ أنّه يتعرّف إلى نفسه في البداية من خلال الآخرين.
وتبدأ منذ لحظة الولادة تنزيلات البرمجة الاجتماعية والدينيّة والتربوية والنفسيّة تتوالى على ذهنه البضّ ويبدأ هذا المخلوق يبني في تصوّراته مفاهيم أساسيّة حول الصحّ والخطأ والثواب والعقاب والنجاح والفشل وغيرها من المفاهيم التي ستساهم بطريقةٍ أو بأخرى في رسم صورة الأنا المتشكِّلة بفعل النّحت المبرمج.
وهنا يباشر المرء في رحلة المقارنة والمقابلة بينه وبين الآخرين وكثيرًا ما يشجّع الأهل والمجتمع الطفل على إنشاء علاقة مقارنة بينه وبين الآخرين ضمن العائلة نفسها أو ضمن المدرسة وبعدها في الجامعة ثمّ في مركز العمل في النجاح أو الإخفاق.
عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ نتعلّم كيف نقيسُ أنفسنا طولًا وعرضًا انطلاقًا من قياسات الآخرين، وكلّ هذا يترافق مع شعور عميقٍ بأنّنا في حالتنا الحاليّة لا نقدّم نموذجًا وافيًا مرضيًا أو حتّى كافيًا لننال التصفيق المطلوب! وهكذا نستهلّ مسيرتنا بالهرولة المتسدامة من اجل التميّز والتّألّق والنجاح.
فنحن في النّسخة الحاليّة لا نشكّل صورةً مقنعةً للمجتمع بأنّنا ناجحون. تستمرّ حالة الجوع الدّاخليّ المترافقة مع مشاعر الغيْرة والحسد والانانيّة القتّالة تنهش فينا ونلهث نلهثُ في ماراتون إثبات الذّات حتى نصلَ إلى مرحلة الإنهاك.
في مرحلة الإنهاك تلك من الممكن أن تكون قد أنجزتَ امرًا جليلًا سيصفّقون لك عليه بالتّأكيد ولو لوهلة من الزّمن لكنّ البعض – ولا أعمّم – سيكون قد فقد لذّة الفرح بإنجازه وسيكون آخر الذين يشعرون بغبطة هذا الإنجاز،وحتمًا سيجمع ما تبقّى من ذاته ليكمل البحث عن إنجاز جديد ليثبتَ من خلاله أنّه مازال مستحقًّا التقديرَ.
وهكذا مع الخبرة اليوميّة والبرمجة اليوميّة تتشكّل الأنا الأنا المزيّفة التي أرادها لك الآخرون وتغرق في طبقات من المظاهر والألقاب ويشتعل تحتها الكثير من الإحباط المتراكم والألم والغضب الأخرس.
وفي مرحلةٍ من المراحل قد يتساءل الإنسان في لحظة يقظةٍ او صدقٍ فادحة :” من انا؟ وماذا أفعل هنا؟ هل هذا فعلًا ما أردتُه؟”.
قد تكون هذه آخر أنفاس الأنا الحقيقيّة المخنوقة تحت جلدك، تحاول أن تجعلَكَ تتذكّرها…تحاول أن تدفعَك إلى خلع جلدِك والسير بلا جلدٍ في مساحات غاباتِك العميقة، تحاول أن تنقذَك من مفاعيل البرمجة المسبقة ومن تشكّلات الأنا المزيّفة التي أطبقَتْ على كلّ دهشةٍ فيكَ وحوّلتها إلى متوقّعة وخنقتْ كل طفلٍ فيك وحوّلتْه إلى جبلٍ هشٍّ من الوهم ودمّرت كلّ حلمٍ بالرّكض أو الطيران وحوّلتْه إلى حلم بالزحف في طين اليوميّات المقتولة سلفًا.
قد تكون همسات هذه الأنا الأصيلة تلك الهمسات اليائسة من تعب الإنتظار تسألكَ إذا كنتَ تجرؤ على البحث عنها! تتطلبُ منكَ أن تسمعها وتُنصِتَ إليها بعيدًا عن صخبِ الآخرين بعيدًا عن أوسمة النجاح وعن ليالي الفشل المظلمة.
ونحن الذين اعتدنا قياس انفسنا في عيون الآخرين كيف سنتعرّف إلى ذواتنا خارجًا عنهم؟ ونحن الذين تعلّمنا ان نستمدّ قيمتنا الذّاتية من والدينا من معلّمينا من مدرائنا في العمل من شركائنا في الحياة من أصدقائنا من أعدائنا …كيف سندرك قيمتنا بمعزل عنهم …جميعًا؟
من هنا تبدأ رحلة الضوء هذا الضوء نفسه الذي يلوح لك في آخر النّفق هذا الحلم الذي تحلم به ويتكرّر في كلّ الليالي ويلحّ عليك بالقفز من أعلى أناك المزيّفة بلا مظلّة ! هذه اليقظة المؤجّلة التي تأتيك بعد ليلة مظلمة بعد خسارةٍ فادحةٍ بعد طلاقٍ بعد موتِ انسانٍ عزيزٍ أو ربّما بعد خسارة وطن.
بعد الخسارات الفادحة أو عند مواجهة تحدّيات الحياة عادةً ما يغرقُ الذهن في تساؤلات وأفكارموروثة مثل لماذا أنا؟ ماذا فعلتُ لأستحقّ كلّ هذه المصائب؟غيري يعيش بفرح وأنا غارق في همومي..عمري يمرّ بسرعة ولا أشعر بأنني عشتُ أصلًا، أشعربأني فاشلٌ في كلّ ما أقوم به، لستُ إنسانًا محظوظًا، الحياة تعاكسني، أنا أعاني كثيرًا لأحصل على ما أريده، أنا أكره أن أجلسَ لوحدي، أنا أخاف الوحدة، لعلّي سأمرض مثل والدي، أنا أدخّنَ لأسترخي، أنا أفرط في الطعام لأنني أشعر باللذة عند فعل ذلك، زملائي يحصلون على فرص لا أقدر بسهولة الحصول عليها، المال لا ينبتُ على الشجر، المال وسخ الدنيا، المال لايأتي بيسرٍ….وما لفّ لفيف هذه البرمجات التي اعتدنا عليها في مجتمعاتنا. ولكنّ بعض الأشخاص وهم قلائل سيفكّرون بطريقةٍ أخرى وسيطرحون أسئلةً اخرى مثلًا ماذا عليّ أن أفعل لأغيّر هذا الوضع؟ من أين عليّ أن أبدأ؟ هل هناك ما أهملتُه وهو الذي أوصلني إلى هذا الحال؟ أين عليّ أن أبحث عن الحلول؟…
الحب قرار…
لا أدّعي في مقالي هذا امتلاك المعرفة ولا حتى عندي طاقات خلّاقة لا أشفي الناس ولا أعطي حلولًا عجائبيّةً لأحد، ولكنّني تعلّمتُ الكثير في هذه الرّحلة وسأشعر حتمًا بتأنيبٍ قويّ لو قرّرتُ ألّا أشاركك به.
لقد عشتَ فترةً كافيةً من عمرك وأنت تتجنّبْ نفسَك، وتغرق في ضجيج الكون. كنتَ تحتاج إليهم جميعًا ليملأوا الفراغ بين صوتك وأذنيك، كنتَ تستمتع بلوم أهلك ورفاقك وزمنك والظروف والقدر على كلّ شيء.
كنتَ تخاف ان تشعر بالوحدة متجاهلًا أنّ وحدتك ما هي إلّا جلوسك مع ذاتك! ألهذه الدرجة تعتقدُ أنّك مملٌّ؟
وإذا كنتَ في عمقك تعتقدُ أنّك على هذه الدّرجة من الملل فكيف تتوقّع من الآخرين أن يحبّوا الجلوس معك أو مصادقتك أو مرافقتك في رحلة العمرولو لمرحلة.
كيف ستحبّ الآخرين إذا كنتَ تهربُ من حبّ ذاتك؟ كيف ستقنع الكون بأنّك تحبّه وتحبّ كائناته وأنت لستَ مقتنعًا بأنّه عليك أن تحبّ ذاتك؟
غالبًا ما يُخطئ النّاس في فهمهم لحبّهم لذواتهم، منهم من ينحرف نحو الأنانيّة او النّرجسيّة المرضيّة أو جنون العظمة، منهم من يعتبر حبّ الذّات خطيئة وحجر عثرة في حبّه للخالق، منهم من لا يعرف كيف يحبّ ذاته، ومنهم من يخاف أن يحبّ ذاته…
ولكنّك تعرف في عمقك أنّ الحبّ قرار وعندما تتعلّم أن تحبّ ذاتك ستجلبُ لها الكثير من النعم والبركات وستتغيّر تجارب الحياة التي تعيشها ستخرج من عقليّة التمزّق بين الحنين إلى الماضي والحلم في المستقبل لأنّك ستقدّر نعمة اللحظة الآنية. ستفرح بهذه اللحظة وستقدّرها لأنّك لم تأتِ إلى هذه الرّحلة لتُغلِقَ النوافذ وتختبئ تحت المقعد الأخير من الباص.
د. نادين طربيه
بوسطن 13 ديسمبر 2022
د. نادين طربية