القمر الوردي
( قصة قصيرة للكاتب حسن ابراهيم )
-×-×-×-
تبقّى سبع دقائق…
أنهضُ.. أستعدّ.. أشرِّعُ الباب قليلا.. أُخرِجُ رأسي منه قليلا.. أُعيدُه.. أغلق الباب.. ما زال الوقت باكرا.. أشرّعُ الباب مجددا.. أخطو إلى الخارج بقدمي اليسرى.. أتراجع ممسوسا.. لا بد أن تكون خطوتي الأولى بالقدم اليمنى.. أضع قدمي اليمنى خارج الباب وأنتظر.. دقيقتان فقط وأنطلق.. هل سأخرج حقا؟.. أجل.. إنها ليلة استثنائية.. ليلة ليست ككل الليالي.. انتظرتها طويلا.. ترصّدتها طويلا.. وها هي الآن تطلّ كجنية الغابات، حاملةً في حضنها بلورة عجيبة: قمرًا ورديًّا عملاقا!…
أجل.. إنها ليلة القمر الوردي العملاق؛ ظاهرة فلكية عظيمة، لا تحدث إلا مرة كلّ خمسين عاما، هكذا يقولون.. ويقولون أيضا إنه في هذه الليلة، ستتفتّح وردةٌ عجيبة، فوق كلّ هضبة يطالها شعاع هذا القمر الخلاق. وردة تُسمى فينوس. لم أسمع بها من قبل، ولكنهم يقولون إنها أجمل الورود في العالم. لونها بلون الشفق؛ بنفسجي خجول، قرمزي متوهّج. وهي لا تولد إلا عبر النور الوردي للقمر العملاق. يا للنور البديع! ولهذه الوردة، كما يقولون، قوة سحرية، تمنح كل من يستنشقها، معرفة هائلة. ولهذا قررت أن أخرج هذه الليلة.. لأحصل على تلك الوردة!…
وها قد حان الوقت.. قلبي يضرب حماسا كطبل إفريقي. أخرج من البيت، وأصعد إلى الشارع، كمن يصعد بساط الريح. أرفع رأسي نحو السماء، فأرى القمر وهو يكبر شيئا فشيئا، كإله يريد أن يخوض معركة وجودية مع الحيتان. يزداد كبرا، وكأنه يخرج من أعماق المحيط، ليطفو على صفحة الليل المائجة، كصدفة “موريكس”، توشك أن تصبغ الكون بأرجوانها.
وأسير.. بل أحلق بين الأزقة والساحات. النسيم يضج بأريج زهر الليمون والبرتقال. والفراشات تخرج من أوكارها هائجة، ترفرف نحو القمر العملاق، لتعانق شعاعه الوردي، وتنتحر بين أحضانه. أمرّ بنافذة جارتي الحلوة، فأرى ظلها يتماوج مع الأنغام التي تطوف في الغرفة، وتنساب خارج النافذة، شلالا من النوتات. يبدو أنها منتشية مثلي. أسمعها ترندح بصوتها الشجي مع أسمهان: “ليالي الأنس في فيينا، نسيمها من هوا الجنة…”، وأتساءل منشرحا: هل ترانا أصبحنا في فيينا دون أن ندري؟ إذ إن كل ما حولي أشبه بالجنة! وأمسك حجرا وأرشق به النافذة، ثم أتابع سيري بعجلة قبل أن تراني، مرنِّما بصوت مرتفع: “نغم في الجو له رنة، سمعها الطير بكى وغنى”… وفي اللحظة نفسها، تقع عيناي على غصن شجرة مزهر، يجلس فوقه بلبلان يتبادلان قبلتهما الأولى. وفي الخلف، يطوقهما القمر الإله بهالة من النور، مانحا إياهما بركته.
وأصل إلى هضبة مطلة على بحيرة صغيرة. في البحيرة بجع يسطع بياضا، وما إن يراني حتى يخرج، ويتحلق حولي جامدا. أيظنني “تشايكوفسكي” وينتظر مني أن أبدأ العزف ليرقص؟ ولكن ما حاجتنا إلى العزف، والمعزوفة تقطن آذاننا قبل أن نولد أو يولد “تشايكوفسكي” حتى؟ وأباشر في الرقص.. ويرقص البجع حولي.. وأضحك.. ويضحك البجع حولي.. ثم أصعد الهضبة، فيصعد البجع خلفي. وأصل أخيرا إلى قمة الهضبة، حيث يغمر النور الوردي العشب والتراب. وألاحظ في وسط القمة، برعما صغيرا يتفتح، لونه بلون الشفق؛ بنفسجي خجول، قرمزي متوهج. إنها فينوس… وأقترب من الوردة غير مصدق، ثم أقطفها دون تردد.. وأغمض عيني مستنشقا عطرها ملء أنفاسي…
وفجأة، يتبادر إلى مسمعي رنين الساعة، معلنا حلول منتصف الليل. فأفتح عينيَّ، وأحدق في السماء: لقد زال القمر الوردي العملاق وحلّ مكانه قمر هزيل أبرص.. ضئيل الحجم، شاحب اللون! وأنظر حولي، فلا أجد أثرا للبجع الذي كان يرقص حولي منذ دقائق، بل ألمح في البعيد، قرب البحيرة، بجعة وحيدة، تبدو لي وكأنها.. سوداء! أشدّ قبضتي على الوردة، فأشعر بألم حادٍّ يُلهِبُ كفّي. وأرفع يدي معاينا، فإذ بي أرى، بدلا من الوردة السحرية، شوكة مدببة مغروسة في لحمي، والدم يقطر منها بغزارة! فأرمي بها مذعورا، وأهبط إلى الشارع، كمن يهبط عن بساط الريح…
الشارع موحش ومشحون بصمت مريب، تُشرّخه بين الحين والحين، أصوات عنيفة لبنات آوى! أحثّ خطاي مسرعا نحو البيت، دون أن أدري ما الذي يجري! وكأني بي ألمح في كل خطوة عيونا تلمع وتختفي في الظلام!.. وكأن أحدا يتعقبني ويستعد للانقضاض علي!.. أتعثر بشيء ما على الرصيف، فأجفل! وتمر سيارة مسرعة تضيء الشارع للحظات، فأرى، في مشهد سريع تقشعر له الأبدان، الأرصفة وهي تعج بالعجائز والنساء والأطفال النيام!.. يرتجفون من البرد والخوف والجوع!.. أين كانوا قبل قليل؟! لمَ لم ألحظ أحدا منهم؟! أتابع السير مهرولا. أصل إلى نافذة الجارة الحلوة، فأراها واقفة خلف النافذة المتفسّخة تترصدني، وما إن أصبح بمحاذاتها حتى تنهال علي بالشتائم والنعال. ألمح وجهها عبر النور الشاحب للقمر.. إنه خال من مساحيق التجميل! يظهر لي مترهلا، باهتا، مخططا بالتجاعيد والبثور. هل هذه جارتي الحلوة؟! متى هرمت؟! منذ متى لم أقصد الشارع؟! شهرا؟! عاما؟! خمسين عاما؟!! أهرب راكضا من شتائمها ونعالها، ومن صدمتي الموجعة أكثر من أي شيء آخر. أدخل البيت لاهثا. وأُسائل نفسي ساقطا في بؤرة الإحباط: ما الذي جرى؟ أيعقل أن يكون الوقت قد داهمني فزال القمر الوردي قبل أن أصل إلى الوردة؟! أيعقل ألا تكون الوردة قد حظيت بالنور الكافي لتتفتح؟! أيعقل أنني قطفت الوردة في اللحظة الخاطئة؟! أيعقل أن يكون كل ما سمعته عن هذه الليلة كذبا؟! لا… لا أظن هذا.
سأنام الآن. ربما كل ما علي فعله، أن أنتظر خمسين عاما أخرى. لعلني أحصل عندها على الإجابة الشافية.
_ حسين إبراهيم.

فقدنا الأمل بذلك القمر الوردي لعلنا لن نمسك بتلك الوردة ابدا وحتى لن نراه قد ننتظر مئة عام أو أكثر قد لا تكون الخمسين عاما كافية.. فلا القمر وردي و لا الوردة أزهرت حتى أعمارنا الصغيرة هي أشبه بجارتك تلك الليلة…